Monday, August 22, 2016

الفصل الثاني - يوم جديد

قبل قراءة الفصل الثاني للقصة ينصح بقراءة الفصل الأول.. الروابط هنا:

الفصل الأول - قرار الرحيل
تكملة الفصل الأول - قرار الرحيل!

الفصل الثاني
يوم جديد 

 (1)
لم تمر إلا أيام قليلة على وصول لجين إلى ميامي وقررت أن الفرصة حانت حتى تنخرط وتعيش في حاضرها أكثر وتكتشف عالمها الجديد، طردت كل وساوسها التي تربطها بالماضي وعلاقتها بأحمد ولم يكن ذلك بالشيء الهين فالماضي يلاحقها كظلها حتى لو تغيرت الأماكن إلى أنها تجد نفسها عالقة بدوامة الزمن التي تشعر بأنها لا تأخذها إلى الأمام ولكن تسحبها للخلف .

قاومت لجين ذلك وقررت طرد كل محفزات ذكرياتها مع أحمد والتي كانت تحيط بها من كل حدب وصوب، قارورة عطر شذاها يحرض شيء بالذاكرة  تخشى أن يثور ليهيج مشاعر الحنين أو لحن أغنية أهداها إياها في عيد ميلادها تنسى نفسها وتغنيها وما تلبث أن تصمت لتحاول أن تنسى الأغنية وتقتلعها من ذاكرتها، وحتى احتفالاتهم التي اخترعوها معاً كذكرى أول يوم التقوا فيه وأول يوم حرصوا أن يقضوا ٢٤ ساعة معاً وأبقته ساهراً على الرغم من تعكر مزاجه.

استيقظت ذات صباح مبكراً من نومها والحماس للحياة الجديدة ولنمطها المختلف جلياً عليها وبلغ منها مبلغه، أزاحت ستار غرفتها لتنسل خيوط شمس الصباح الناعسه إليها وتراقب بهدوء منظر شروقها، شعرت لحظتها بأنه صباحاً مختلف عن كل الصباحات التي شهدتها في حياتها، ممتليئاً بالبدايات الجديدة الواعدة، أخذت تراقب المحيط الذي كان بعيد هناك يحيط بالأفق ويحتوي المدينه بمساحاته الزرقاء الشاسع، أغمضت عينيها واستنشقت نسيم صباحها ثم أخرجت زفير هواءه وكأنها بذلك تحاول طي صفحات الماضي بحلوها ومرها وتستعد للانخراط بالحياة الجديده وتعيش اللحظه بكل تجلياتها.
وضعت سماعات الأيفون في أذنيها واختارت منه أغنيتها المفضله لمايكل بابلييه

Birds flying high
You know how I feel
Sun in the sky
You know how I feel
Breeze driftin' on by
You know how I feel
It's a new dawn
It's a new day
It's a new life
For me
And I'm feeling good
I'm feeling good

إنه يوم جديد وحياة جديدة وعالم جديد ويجتاحني شعور عظيم!
وفي أثناء ذلك استغراقها بلذة اللحظه باغتها اتصال التفتت إليه وكأنها استفاقت من حلمها وعادت لواقعها لترى من المتصل، وإذا به "أحمد يتصل بك" وعندما توقف الهاتف عن الرنين ثم ظهر على الشاشه أن هناك 5 مكالمات لم يرد عليها من جهة أحمد! 
بعد توقف الرنين عادت صوت الموسيقى يستأنف من جديد وصوت مايكل بابليه يصدح ولجين مازالت تفكر مقطبه عن حاجبيها وكأن اتصال أحمد كدر عليها صفو يومها، أرادت أن تنخرط بالحاضر أكثر ولكن أبى الماضي إلا أن يرافقها وذلك باتصال بسيط من أحمد ليلقب عليها صفحات تريد طيها، بعد برهة نظرت إلى الساعه والتي كانت تشير إلى ال7 والنصف صباحاً! وطفقت تخلع السماعات عن أذنيها وهي تتمتم: أوه يبغى لي ساعه الحين عشان أتجهز وأروح المعهد يادوب ألحق!

(2)
في حرم جامعة ميامي وتحديداً في كلية الفنون الاستعراضية وعلى خشبة المسرح كان يقف أستاذ المسرح "مو"، شاب أمريكي في أوائل الثلاثينات من عمره وقد أنهى لتوه دراسة الماستر في المسرح في كلية الفنون الاستعراضية بمدينة نيويورك وعاد لمدينته ومسقط رأسه ميامي ليعمل بها، طويل القامة وممشوق الجسم وجميل القسمات، وملامح وجهه هجين متناسق ما بين الشرق والغرب فقد كان ذو شعر كثيف أجعد بلون بني فاتح ولون بشره أسمر حنطاوي، وعينين بلون رمادي فاتح أحيطت برموش كثيفة، وكان وكان فيها شيء الجاذبية والكثير من التساؤلات والحيرة.

المسرح بالنسبة لـ"مو" كان عالمه الخاص الذي يعيش به لوحده ويشعر بأنه يمثل مركز هذا العالم، إذا وقف هناك  على الخشبه يشعر بأنه ملك المسرح وكأن الدنيا حيزت له عندما ينطلق ليعبر عما يدور بداخله ويتقمص الشخصيات ببراعه كأنه عايشها وعايشته يفهمها وتفهمه ويعي معاناتها وينسجم بعمق. مرة يختار دور الجلاد ومرة أخرى يختار أن يكون الضحية، مرة يشعر أنه يعرف تماماً ما يريد ويسعى له، ومرة يبدو كشريد تاهت به الطرقات لا سبيل له يلتجيء إليه، يمثل دور الزعيم والقائد والمتبوع وأدوار أخرى يكون فيها تابع! يملك موهبة فذة ويتقلب من دور لآخر بكل تلقائية وعفوية دون عناء وتكلف أو حتى أدنى جهد.

قرأ قصيدة تدعى "من أنا؟" وأحب دور المجهول الشارد الحائر المتسائل بلا إجابات والناقم على وجوده، شعر أن كلمات هذه القصيدة تلامسه بشكل أو بآخر، وتقمصته أبيات القصيدة وسكنته قبل أن يحاول أن يتقمصها،  وقف على المسرح وبدأ تناغم عفوي وتلقائي بينه وبين المسرح كمياه تنساق لمجاريها، توجهت الأنظار إليه دون أن يكلف نفسه عناء أن يلفت الانتباه أو يسترعي الاهتمام وبمجرد أن صعد على المسرح بدا كأنه فارس يمتطي صهوة جواده، وكانت الاستعدادات تمشي على قدم وساق وجلس مخرج المسرح على كرسيه ليأمر بتوجيه الإضاءه على مو بإشارة من إصبعه ويبث معه صوت الخلفيه الموسيقيه الهادئة ليقول بأعلى صوت "أكشن!" ليبدأ مو بعدها بالإلقاء والتمثيل أو ليكون نفسه:

تركزت الإضاءة ناحيته وبدا يشعر بالدور يتلبسه وصوت الخلفية الموسيقية تضفي جواً،
وأخيراً نظر بتجهم ناحية جمهوره ليلقي بمقدمته التي تسبق القصيدة:
مونولوج..

كثيراً مايتساءل الإنسان عن كينونته وحقيقة هل نحن نتاج الظروف أم الظروف نتاجنا؟! 
 أنا من أنا ومن أكون؟!
سؤال استعصى علي إجابته ودارت بي الظنون،
وطفقت ألاحق حقيقتي التي غدت كسراب حتى أحاط بي الجنون
كتب علي القدر أن أعيشُه متسائلاً عن معنى الوجود
أكاد أجزم أنني جسد بلا روح واسم بلا لقب وملامح وجه ورثتها من مجهول
**
أنا من لفظني والدي وقابلني بالنكران 
وكل ما شعرت به بعدها هو الخذلان
وتقطعت بي السبل وتُهت في غياهب الزمان
أصبحت ضائع بلا مأوى كطير يعيش بلا أغصان
كل ما أملك هو ضجيج أحاسيس ممتلئة بالأشجان
طليق الأيام أطوف في كل مكان بلا وجهة ولا هدف ولا عنوان
 لزمان غير هذا الزمان أو ربما مجرد ذكرى لزمن عابر تلاشت في دهاليز النسيان 
قد أكون فارساً، ويبقى حلمي وعالمي سالكين طريقين متوازيين عصي عليهما أن يلتقيان
**
وحدي أمشي في الدروب مشرداً كالغريق بلا رفيق وأتجرع الهوان
والكل حولي يتضاحكون ويتهامسون والهم يسكن مقلتي وأداري دموعي أمام العيان
أحاول عبثاً الهروب عن واقعي كطير قصت جناحيه وبدا عاجزاً عن الطيران 
**
أردت أن أجد طريقي وأشعر بالانتماء
ووجدت ذلك بعيد عني كبُعد السماء 
كسراب أتعبني اللهث وراء حتى شعرت بالإغماء
أن أكون أو لا أكون فذلك عندي سواء 
ولكن من أنا؟! 
أنا لست سوى تائه وبقايا إنسان
لفظني والدي وقابلني بالنكران 
وكان قدري أن أعيش في خذلان 
**

يتوقف مو قليلاً وهو منهك وكأنه صب كل مشاعره في هذه القصيدة وبات فارغاً!
يصفق له طلابه بحرارة وقد عاشوا تماماً في أجواء المسرح, ويتقدم أحدهم ليقول: لقد كان عرضاً مبهراً شعرنا بك وأنت ضائع وتتسأل عن حقيقتك، توهتنا معك يا رجل! 

(3)
تستكشف لجين سراديب وقاعات الفصول الدراسية بمعهد اللغه في أول يوم دوام لها، تريد بذلك أن تتعرف على المكان الذي ستلبث فيه لمدة، وبدت تائه للحظات وهي تحاول أن تعرف أين ستقوم بأداء إختبار تحديد المستوى، لربما تأتي بدرجة عالية وتختصر عليها المسافات في دراسة المعهد خاصة وأن لديها خلفية في اللغة الانجليزية لا بأس بها لزياراتها المتكررة إلى أمريكا وبريطانيا
وفي طريقها إلى معمل الحاسب الآلي الذي يتم فيه إجراء إختبارات تحديد المستوى، رأت لجين "مشاري" والذي قد بدا لولهة أن شكله مألوف بالنسبة لها وقد رأت وجهه من قبل لكنها لا تتذكر أين ومتى! التقيت أعينهم وتبادلوا الإبتسامات، كانت ابتسامة مشاري بشغف وكأن علاقة قديمة تربطه بها وكانت ابتسامتها هي مجرد مجاملة.

تجرأ مشاري لمبادلته بابتسامة واستوقفها قائلاً: لو سمحتي .. لو سمحتي!
لجين لم تتوقع أن يوجه لها نداء: أنت بتكلمني؟ .. ايوا أهلاً! 
مشاري: أنتي اللي كنتي معانا بالرحلة اللي من قبل كم 3 أسابيع تقريباً؟
لجين تحاول أن تتذكر: ايوا ايوا افتكرت، كنت جالس بنفس صفي.
مشاري: اها بالضبط، صح عليك!
لجين: أحد ينسى الكدش! لأن شكلك مميز فيه
مشاري يطلق صوت ضحكته: سبحان الله يالصدف، وأنا أقول من أول شكلك مألوف، والله الدنيا صغيره و أمريكا فيها 50 ولايه وتشاء الأقدار إننا نتقابل في ولاية فلوريدا ونختار نكون بنفس المدينه ميامي .. (يسكت شويه كأنه يفكر بسؤال) أممم كيف كانت الرحله؟ والله كانت بالنسبة لي متعبه والخطوط سيئه لكن مضطرين نركبها، ماعندنا غيرها! تصدقين خفت يجيبون لي لحم حمير في الوجبات حقتهم! صمت طول الرحلة ما أكلت شيء أبداً. ما أثق بأكل الطيارات لأنه مخيس!
لجين (بدت تفقد اهتمامه بكلامه): المهم حمدلله وصلنا بالسلامه! 
مشاري: الحمدلله، يعني أنتي من جده؟ جدوايه (يبتسم) 
لجين: ايوا أنا من جده!
مشاري: نورتو يا أهل جده! 
لجين (تحاول تنهي المحادثه خاصة أن لديها الكثير من الأمور لتنهيها): نورك (تنظر إلى ساعتها) أنا والله مستعجله في شغلات كثيره بخلصهم منها اختبار تحديد المستوى، دعواتك ونشوفك إن شاء الله على خير لازم أمشي دحين و فرصه سعيده.

مشاري وكأنه يحاول أن يطيل الحوار: ما شاء الله بتسوين اختبار تحديد مستوى، والله أنا قلت لهم ببدأ من المستوى الأول وريحت رأسي!
لجين وكأنها تحاول أن تنهي الحوار: الله يعين وفرصه سعيدة!
مشاري: وأنا أسع،, بالمناسبه اسمي مشاري وش اسمك؟
لجين: لجين ..
مشاري: عاشت الأسامي .. ولا تنسين حنا أخوان بالغربه إذا احتجتي أي شيء! 
لجين: إن شاء الله .. عن إذنك!
ابتعدت لجين وهي تفكر (ياربي مره نشبه! ايش دا قال حنا أخوان بالغربه قال!
يعني أنا فارقتهم وقاطعت أخوتهم وصداقتهم من السعوديه ولاحقيني هنا!)
مشاري (ينظر إليها وهي تمشي مبتعده عنه ويفكر): والله ياهي مزه، ومو هينه البنيه! لكن  زين أنها معي بنفس المعهد، شكلها كيوت ومن الجداويات الفله يا لبى بس فديتها! 

(4)
في بيت من البيوت التي تقطن في أحد الأحياء العشوائيه في مدينة جدة والتي تبدو على هيئتها البساطه المبالغة والقدم المتناهي والمتهالك تسكن فتاة تدعى عبير مع أهلها، كانت تجلس بغرفتها وتقرأ في كتاب بانسجام تام وكأنها تحلم وهي تتنقل بين سطوره خارجة من عالمها وتعيش في عالم الكتاب. انعكس ذلك الشعور على تقاسيم وجهها الرقيقة وعينينها الحالمتين الجميلة والواسعة والذي يلفها رمش كثيف وتحتوي على شيء من بريق آخاذ وساحر، ولها سحنة هادئه وهيئة ضئيله، ومظهرها الخارجي لا يتوافق مع جموح أحلامها وجرأة طموحاتها وثبات عزيمتها فقد كانت من المتفوقات في قسم اللغة الانجليزيه من جامعة الملك عبدالعزيز وتخرجت بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى وتحلم بالتزود أكثر من ينابيع العلم التي لا تنضب.

تحب أن تقرأ في الفلسفه والشعر والتاريخ وبالأدب العالمي والأمريكي والبريطاني والتي كانت جزء من دراستها ومن شغفها، روادتها أفكار كثيره عن الغرب والعالم الغربي وسافرت بخيالها بعيداً في أدبهم وأبحرت في تاريخهم ودرست فنونهم وأتقنت لغتهم وهي لم تغادر مدينتها، ولطالما تساءلت كيف يفكرون؟ كيف يعيشون حياتهم اليومية الروتينيه الرتيبه ويقضون جل يومهم؟ ماهي أولوياتهم العائله الأهل حياتهم الخاصة عملهم؟ وماهي انطباعاتهم عنا نحن العرب والمسلمين؟ هل صحيح ما تعكسه كتبهم وأفلامهم وموسيقاهم عنهم؟أم أنه مجرد محض خيال المؤلف وإخراج المخرج ليعود بفائض على تكاليف المنتج والتي كان يود أن يضيف الكثير من الأكشنات والحماس! أرادت أن تعيش تجربتها بنفسها وتأخذ عنهم انطباعها بنفسها بعيداً عن كتب وروايات وانطباعات الآخرون.

تناقشت مع والديها كثيراً حول فكرة الابتعاث والسفر إلى الخارج للدراسه، كان والدها موافق إلى حد ما لأنه صاحب ذهن متفتح وعمله كإعلامي مهتم بقضايا المجتمع أتاح له فرصة مزاوله مهنة الصحافه والسفر والتعرف على عوالم أخرى جديده، وبذلك امتلك عقليه استثنائيه عن بقية أفراد عائلته وقبيلته، ولكن الضغوط التي كانت تمارس من قبل زوجته والدة عبير تثنيه عن مؤيدة ابنته ودعمها فكرة سفرها، كانت والدة عبير تملك عقلية بسيطة وتعمل مدرسة دين للمرحلة الابتدائيه في مدرسه حكوميه وكان يضفي ذلك الكثير من التحفظ لشخصيتها والقليل من الجهل المركب.

وضعت كتابها على الرف وقررت الخروج قليلاً من عالمها وتمضية بعض الوقت مع والديها الذين يجلسون بغرفة المعيشه ويشاهدون التلفزيون وبينما كان يقلب قنوات التلفاز استقر على قناة العربية والتي كانت ثبت تقرير عن حفل خريجي الدفعه الرابعه للسعوديين من أمريكا وهم يتحدثون عن انجازاتهم وطموحاتهم التي حققوها والصعوبات التي واجهوها، فيعلق والد عبير:

ما شاء الله، والله نماذج مشرفة والواحد يفتخر فيها والحكومه جزاهم خير ما قصرت عليهم. 
هنا تشجعت عبير ووجدت أنها فرصه مناسبة لتبدأ الحديث مرة أخرى لعل وعسى كثر الدق يفك اللحام وقالت: صح كلامك يا بابا وأنا ودي أكون مثلهم وأنجز وأكمل دراستي برا وأشوف نفسي مبتعثة استقي من العلم وأعيش تجارب تجعلني أنضج وأفضل.
الأم: رجعنا ثاني لسيرة الابتعاث! مو قلنا تتزوجين وبعدين تروحين مع زوجك بعثه!
عبير (وقد استفزها أسلوب والدتها): ما خلصت كلامي يا ماما! 
الأب: اصبري يا أم عبير على بنتك خلينا نسمعها للأخير. 
عبير (انفرجت أساريرها لرغبة والدها بالاستماع إليها): ايوا .. اسمعوني ويا تقنعوني أو أقنعكم!
الأب: تفضلي يا بنتي
عبير: يا بابا الابتعاث فرصه لكل الشعب يطور ويتفتح ويبني مجتمعنا والابتعاث للشباب والبنات .. وبعدين أنا بنتكم وتعرفوني زين ومربيني على الصح والغلط .. الله رقيبي قبل لا تكونون أنتم رقباء علي! 
الأم: والله يا بنتي عارفينك وواثقين فيكي بس المشكله مو فيكي المشكله في اللي حولك نخاف يأثرون عليكي!
عبير (تحاول تمسك أعصابها): أنا عمري 22 سنه يا ماما و مستحيل أخلي أحد يأثر فيني أنا أعرف حدودي زين .. 
الأب: خلينا نفكر بالموضوع يا بنتي!
الأم: والله يا بنتي نبغاكي تتزوجين وتروحين مع زوجك، أحسن لنا واستر لك، ياويلي ما أتخيل تكونين مفلوته هناك لوحدك! 
عبير (عصبت): يا الله ما بطلتي السيره القديمه هذي .. أنا ما أبغا أتزوج تعرفون ايش معناة ما أبغا أتزوج! ويا ليت فيه واحد عدل أتزوجه، ومتأكده لو تزوجت واحد من الأشكال هذي راح أطلق، ايش أهون عندكم أكون مطلقه أو عانس؟!
الأم: أعوذ بالله ليش تتفائلين على نفسك كذا يا بنتي، حنا ما نبغاك لا هذي ولا ذيك, نبغاكي متزوجه ونفرح فيك وفي عيالك! 
عبير (صامته وتحاول كظم غيظها): ..... 
الأب: خلاص يا بنتي نفكر ويصير خير إن شاء الله .. أنتي لا تشيلين هم ..

غادرت عبير غرفة المعيشه متجه إلى غرفتها وفي عينيها دموع أسى وحزن على حالها وتحاول جاهدة  أن تمنعها من الانهمار الذي بدا وشيك، وشعرت بغصه في حلقها بينما كانت أفكارها تدور في رحى عقلها، وتتسائل إلى متى تحتمل ترهات هذا المجتع الذي جعلها أسيرة لعادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان يعاملها على أساس أنها قاصر وتحتاج إلى أن يكون وصي عليها في جميع شؤون حياتها وبذلك هم يصادرون حريتها التي منحها وكفلها لها الخالق، وحتى والديها اللذان يثقان فيها على حد تعبيرهم لا يستطيعان منحها الثقه والحياة التي تريد أن تعيشها بالطريقة التي تراها مناسبة لها, هل من الضروري أن يكون هناك وصي دائم ملازم لها ليراقب جميع أفعالها ويسجل عليها أقوالها ويحفظها من الوقوع في الرذيلة على حد تعبيرهم ويحصنها من الزلل والانحراف، ألم يكفهم رب السماوات أن يكون رقيباً! وكيف لا يطبق هذا التشريع على أخيها الذي قرر بين ليلة وضحاها الذهاب إلى مصر للدراسة وذهب من دون أدنى إعتراضات بل بموافقة وتبريكات الجميع، ألم يخافون عليه من الوقوع في الرذيلة والاستسلام إلى مغريات الحياة؟ ألم يحتاج إلى محصنة؟ أطالت التفكير وهي لا تعلم هل تلوم والديها أم تلوم مجتمعها الذي اتخذ شعار "سد الذرائع مقدم على جلب المصالح" كأسلوب حياة وهم لا يعلمون أنهم بذلك سدوا في وجهها جميع الأبواب وأغلقوا الشبابيك وحتى منافذ التهوية حتى أصبحت تشعر بالاختناق!

 واستلقت على السرير والأفكار لا تبارحها وتمنت لحظتها ألف مره أن يكون جنسها ذكر لتعيش حياة طبيعية خالية من التعقيد في مجتمع يمجد الذكور ويقمع الإناث، ويكون لديها فرصة تتمكن من مطاردة أحلامها وتحقيقها والتي بالواقع هي مجرد حقوق مشروعة لها منذ الولادة، نظرت إلى لوحة أحلامها التي كانت تضعها على مكتبها وأسفرت منها ابتسامة مبتذلة وباتت تخاطب نفسها كيف تجرؤ أن تحلم فحتى الأحلام هنا مصادره والسبب أنها أنثى، أغلقت عينيها تريد أن تهرب من واقعها بالنوم ورأت نفسها تفيق مفزوعه من صوت إرتطام مدوي وترى أحلامها وتتهمش وتذوي وتتبعثر، وآخر ما سقط على ركام الأحلام عبارة "أنا مبتعثه للدراسه!"

(5)
كانت ليلة من تلك الليالي التي تتضور فيها لجين جوعاً وتعباً وهي تدور بين المطاعم ولم يسترع انتباهها ويفتح شهيتها أي مطعم من المطاعم التي مرت عليها وهي في طريق عودتها من الجامعة، اتخذت قرار أن تأكل في البيت ففي كل مرة تأتي بمشتريات كثيرة من السوبر ماركت وبالأخير تختار أن تأكل بأحد المطاعم.

رجعت إلى منزلها ومعدتها تصرخ بأصوات مزمجرة غاضبه تدعوها بأن تطعمها وتفتح الثلاجه على عجل وعينيها تتلاقط بمحتوياتها الموجوده داخلها وبدت غير مقتنعة تماماً بالذي رأته، وباغتتها حسرة أنها لم تأتي بطعامها من الخارج، فلم ترى غير كيسين من الطعام المجمد الذي سوف تسخنه بالمكريوف لمدة دقيقتين، سحبت أحد الأكياس والتي كتب عليه
Kobah Halal
قعلقت قائلة وهي تقرأ الاسم: خليها أول تصير كبه بعدين تصير حلال!
وبينما كانت تضع حبات الكبه لتضعها بالمايكروويف قالت بتحسر: أكل مجمد هدي آخرتها! فين ملوخيه وبامية ماما لا كفاية كده حرام!
ويرن جوال لجين ليقطع عليها المشهد الدرامي الذي تعيش به: "أحمد يتصل بك" 
ترى المتصل وتقوم بتكاسل متررده ترد على جوالها أو تتجاهله، تمسك الجوال بيدها ومازال رنينه متواصله وبإلحاح وتفكر مطولاً وكأنها تتخذ قرار مصيري بإجابتها على الهاتف وعندما قررت أن تجيب ينقطع صوت الرنين ويقفل الخط وتظهر على الشاشة المكالمات التي لم يتم الرد عليها .
قطبت لجين حاجبيها وتمتمت وكأنها تتشفى: أحسن ما رديت عليك وطنشتك!

(6)
في ليلة من الليالي التي لم يكن يهتم بها مشاري كعادته للجلوس في شقته واستذكار دروسه، قرر أن يدعوا زميلاته الأجنبيات  ليلعب البلياردو معهن، كان قد تعرف عليهن في المعهد ودعاهن في النادي الموجود في مقر سكنه الفخم الذي احتوى على جميع الخدمات والتسهيلات وأنواع الترفيه حتى قاعه لعرض الأفلام موجودة بها.

بدا بأبهى حلته وهو ينتظرهن على أحر من الجمر ويحاول أن يضبط شعراته الثائرة فتمردت عليه أكثر وماكاد أن رأهن حتى نسي موضوع شعره وطار فرحاً بهن، وبالمقابل بدت ردة فعلهن عاديه ناحيته بل أنهن عاتبوه لأنه لم يحضر العشاء لهن بعد وهن يتضورن جوعاً ومنهمكات تعباً، فطلب لهن بيتزا خدمة توصيل على عجل، وعاد للجلوس معهن وكان يحاول وبكثير من الجهد المبالغ أن يتودد إليهن ويتقرب منهن بالمعنى الحرفي إلى حد يصل إلى التقزز، وأراد أن يقيم معهن حوار ولكن انجليزيته البسيطه لم تسعفه وبكثير من التملق أخذ يلقي عليهن نكت غير مفهومه بالنسبه لهن لا بمعناها ولا مضمونها، ويستعطف انتباههن إذا أخطأت إحداهن بإدخال الكرات في الحفر راح يقلدها ببلاهه حتى يضحكن الآخريات عليها وكأنه يتسول ضحكاتهن، ولا يكاد يجد فرصه حتى يلامسهن ويحاول أن يحتضن أقرب واحدة منهن تطالها يداه غير معير أدنى إهتمام لا لمشاعرها ناحيته ولا حتى شكلها، المهم أنها أنثى وهو ذكر!
تدفعه إحداهن بعيداً عنها وهو يحاول أن يستلحقها ليأخذها إلى أحضانه وتصرخ فيه قائلاً 
GET THE F*** off!!!! 
WHATS WRONG WITH YOU 
ابتعد عني، ما هي مشكلتك أيه المعتوه!
ويضحك ببلاهه دون أي تأثر بكلماتها.. ومع ذلك يعيد المحاولة ولا يفتر!



** تكملة القصة يوم الإثنين القادم .. تابعونا 
تويتر 
@Eman_Osaimi

No comments:

Post a Comment