Monday, October 31, 2016

الفصل السادس - الصورة النمطية


قبل قراءة الفصل الجديد يُنصح بقراءة الفصول السابقة للقصة .. الروابط هنا:

الفصل الأول - قرار الرحيل

(1)
في منزل عبير ما زالت والدة العريس عادل تنتظر في صالون الحريم، وكانت قد استأذنت مراراً وإلحاحاً من أم عبير مسبقاً أن يدخل عادل ليرى عروسه الجديد، وبررت ذلك بقولها أن هذا من حقه وفي الشرع، والغايه الشرعية منها هي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حتى يؤدم بينكما" ويعني يزرع الألفة والقبول بينكما، ولم يكن الشعور حصرياً للرجل دون المرأة ولكن الغاية منها عند عادل ووالدته أن يرى إن كانت أعجبته أو لم تعجبه مثل الذي يشتري البطيخه الصيفي يا قرعه يا حمراء وأنت وحظك!  
أم عادل: اسمحي لنا يا أم عبير ولدنا بيدخل ويشوف عروسه.
أم عبير مبتسمة ومرحبة: حياهـ يتفضل في مقلط الرجال أبو عبير ينتظره هناك.
يدخل عادل إلى مقلط الرجال وهو منتصب الظهر وبارز الطول واضعاً شماغه الذي بدا أنه كقالب وذلك من فرط استخدام النشاء لتثبيت مرازيمه ومتشخصاً بشخصيّة الكوبرا الذي على الأرجح قضى وقتاً طويلاً أمام المرآة لتضبط! كان أسمر اللون بدوي القسمات يملك عينين حادة وأنف معكوف طويل وشارب رقيق وسكسوكه ناعمة حفت بعناية، كان يملك ابتسامة جذابة فكلما ابتسم ظهرت غمازتين على خديه لتزيده جاذبيه.
حاول أن يظهر بشكل مهيب ورسمي وهو يسلم على والد عبير عمه ووالد عروسته المستقبيلة وكأنه خائف أن تسقط شماغه ويقبل والد عبير وهو يقول: خشمك يا عمي خشمك، يرد عليه والد عبير ببرود وكأنه شعر بنوع من عدم الإرتياح ناحيته وبنفس الوقت يشعر بتأنيب الضمير ناحية ابنته عبير وقراره بإلزامها على الزواج وهي مرغمة!
عادل يجلس ومن ثم يناوله والد عبير فنجان من القهوة ..
والد عبير: حياك نورت مجلسنا
عادل: منور بوجودكم
الأب: إلا ما قلت لي ايش تشتغل يا ابني؟ ايش درست؟
عادل: والله أنا تخرجت من الثانوي لي سنتين وكملت دبلوم في المعهد التقني .. (ويرتشف من فنجان القهوه ثم يكمل) ولكن قلت اختصرها يا عمي على نفسي وأدور لي شغل بدل دراسة الجامعة (ويبدو أنه فخور بقراره) تعرف الوالد متوفي الله يرحمها من خمس سنوات وأنا الرجل الوحيد بالبيت وقائم بمسؤلياته!
الأب: آه ما شاء الله .. وقدمت أوراقك تشوف لك شغل؟
عادل: ايه والله يا عمي وأنتظر ردهم .. إن شاء الله خير! 
الأب: الله يوفقك 
وهنا تدخل عبير إلى المجلس وتبدو أنها مرتبكة ولكنها تحاول جاهدة أن تمسك رباطة جأشها وتدخل واثقة الخُطى .. ويحاول عادل بدوره أن يختلس بعض النظرات إليها وبنفس الوقت كان يود لو أنه يخترقها.. 
عبير: السلام عليكم
الأب وعادل: وعليكم السلام والرحمه 
ينظر إليها والدها ويطمئنها بابتسامته وأن الأمور سوف تكون بخير وأنا معك 
تجلس عبير على الأريكة التي كانت بمحاذاة عادل ويبدو أنها خجولة تماماً وهي التي لا تتوقع نفسها أن مواقف بسيطة كهذه يمكن أن تهزها ولطالما كانت قوية وجرئية وتعرف تماماً ما تريد. شعرت قليلاً بالحيرة وهي تمشي أمام عادل وتشعر بوخزات نظراته لتجلس على الأريكة وتساءلت هل هذا ما تريده حقاً أم أنها رضخت لقوانين مجتمعها وضغوط والدتها؟!
عادل يبادر بسؤاله: شلونك؟ يارب تكونين بخير؟ 
عبير ترد بصوت خجول: الحمدلله!
أبو عبير: أستأذنكم شوي تأخذون راحتكم بالحكي ويناظر عبير ويبتسم وكأنه يطمأنها.
عادل يقترب من عبير ويتمتم: ما شاء الله ما شاء الله، والله طلعتي أحلى من وصف أخواتي وأمي لي بمراحل.. (ويصمت ويبدو أنه يبحث عن كلام ليبدأ معها محادثه) زين أبوك طلع وخلانا نأخذ راحتنا، ما بغى!
عبير تنظر إليه وكأن تعليقه لم يستهويها! 
عادل: قالوا لي إنك شطورة وتخرجتي الأولى على دفعتك وما شاء الله انجليزي! أكيد بلبل وترطنين! 
عبير ترد بخجل: مو بلبل يعني، بس أهم شيء كنا نقرأ كثير والحمدلله تحسنت لغتي، وعندي الآن طموح أكمل دراستي برا (أرادت عبير بذلك أن تجس رأيه ناحية موضوع ابتعاثها)
عادل وكأنه مستهين بهذا القرار: إن شاء الله تكملين!
عبير وبجملة إقرار: إن شاء الله نكمل مع بعض!
عادل لم يعلق على ما قالته ويستفهم منها: ما ودك نسولف مع بعض أكثر ونتعرف على بعض ونشوف حياتنا كيف ممكن نخطط لها سوا؟! ..
عبير تبتسم: ممكن تقول لبابا أننا نتكلم مع بعض وأتوقع ما عنده مانع تكلمني، وإن شاء الله خير (وترمقه بنظرات خجل بينما يحدق فيها)!
عادل: يسعدلي الخجلان والله!  

(2)
في نهاية أسبوع دراسي طويل في المعهد وعندما كانت لجين تهم بالمغادرة. أمام المعهد شاهدت مشهد قد لا يتواجد إلا بالسعودية ولو تواجد في ميامي ففرصة مشاهدته مرة أخرى لن يتكرر، مشهد هياط من الدرجة الأولى للشخص المدعو مشاري وهو يستعرض بسيارته الموستانغ الحديثة البيضاء ذات الغطاء الأسود أمام أصحابه وأمام الفتيات بالذات..
 ينزل غطاء السيارة بهدوء ليظهر هو وبرفقته فتاة أجنبية ويرفع صوت مشغل السيدي لأعلى صوت و يتراقصون على أغنية مجافي لرابح صقر 
مجافي ليه وش صـــــار
خــافــوقــي تـسـتـفـــزه
غيابك مشعــل نـــــار
كــوى قلبــــــي وهــــزه 
ويهزان كتوفهم معاً وهما يرددان: سين سين سين ... صاد صاد صاد 
وحولهم الشباب يضحكون على رقص الأجنبية معه ويستهزؤن بحركاتها وهي تحاكي طريقة رقص السعوديين ويمسكون بأيديهم السجائر وينفثون بالهواء الدخان ويرمون أعقابها بأقرب سلة نفايات، كل ذلك يحدث ولم تتوقف مؤخرة سيارة الموستانغ عن الإهتزاز مع أنغام الموسيقى الصاخبة والذي صاحب إهتزاز أكتاف وأجساد من يركب عليها ويقف حولها متفرج!
وهناك كان يقف سليمان وهو لا يحرك ساكناً ولا ينصح الشباب عن التوقف عن هذه المهزلة بل كان يبتسم بفضول يعتريه ويود الإنضمام لهذه الجموع الغفيرة لا لينصح بل ليشارك. بدا أن يكون بموقف المتفرج، وهو الذي كان مع لجين أسد الصحوة ويتلو نصائحه عليها ككتاب منزل ويردعها إذا لم تستمع باللين فليكن إذا بالقسوة وغلظة الصوت! 
ولجين تنظر وقد تشدق فاها وهي لم تصدق كمية السخافه التي ترتكب أمام باب المعهد وأمام العامة، ولم يفكر أحدهم كمنظرنا العام أن نكون عرب ومسلمين وسفراء للوطن، كل تفكيرهم أن ينخرطوا بلذة اللحظة الحاضرة، ولا يسعها هي إلا أن ألقت نظرة ملؤها الإزدراء ناحية مشاري وصرخت فيه: تخلف!
ولكنه فوت على نفسه إلتقاط كلمتها التوبيخيه له ولم يسمعها بسبب صوت الأغنية الصادح والصاخب وبسبب انشغاله التام بهز كتفيه على كلمات الأغنية! 

(3)
ميامي المتلألأة بأضواءها وبصخب نواديها ليلاً وبازدحام سكانها في شوراعها الضيقة وخصوصاً بأوقات نهاية الأسبوع التي يتدافعون الناس للخروج فيها من روتينهم الرتيب وتمضية بعض الوقت بعيداً عن ضغوط العمل والدراسة. أثارت هنا لجين الهدوء على الصخب وقررت الجلوس في بيتها للإستجمام على الخروج للإنزعاج برأيها، وبينما كانت لجين مستلقية على أريكتها وهي تقلب بين قنوات التلفاز استقرت على قناة يعرض فيها برنامج من أحد برامج تلفزيون الواقع، كانت لجين تتابع بانسجام رهيب وكأنها بذلك تريد أن تنسى ما حدث لها في المعهد من جدال عقيم مع سليمان وتنسى كمية السخافة الذي تلخص في مشهد مهايطي يتصدر بطولته مشاري. 
كان التلفاز يعرض مشكلة لإمرأة تكاد تبلغ الأربعين من عمرها وهي لم تتزوج بعد وبالتالي لم تنجب لأنها لم تلتقي بالشخص المناسب، وقررت أن تذهب لعيادة طبيب مختص بزراعة الأجنة وحفظ البويضات ويستطيع أن يفرزن لها بويضاتها التي شارفت على الإنتهاء إلى أن تجد الشخص المناسب ثم تلقحها بحيواناته المنوية وتزرعها في رحمها لتصبح حبلى! والأدهى أنها ذهبت العيادة مع صديقها الشاذ الذي طوال معرفتها به وهو علاقة غرامية مستمرة مع حبيبه الشاذ الآخر وقريباً سوف يعلن الإرتباط به رسمياً وخطوبته وقد جلب خاتم خطوبة يريه لصديقته التي تحسفت لكونها قد تبلغ الأربعين قريباً وفرصة أن تعيش وحيدة تتزايد! 
تعلق لجين: والله ناس عايشه بالمقلوب تكون مستقيم ما تلقى زوج ولا حبيب، تصير شاذ راح تتزوج قريب! أنا مو عارفه الشواذ ايش يبغوا بالزواج "الرباط المقدس" على قولتهم ايش؟ مو عايشين مع بعض وما يؤمنوا بربهم وش ممكن يضيف لهم الزواج؟! أنا أروح أكلم أمي أحسن لي بدل ما أقعد أفكر بالعالم المجنون دا!
تطفيء لجين التلفاز ثم تتجه لغرفتها وتفتح برنامج السكايب لتتصل على والدتها في السعوديه وتشغل الكام ..
لجين: ماما حبيبي وحشتيني قد الدنيا!
الأم: وأنتي أكثر يا بنتي 
لجين: ماما عندي لك خبر مره حلو
الأم بتفاعل: بشرينييييي يا بنتي ان شاء الله خير 
لجين: حمدلله يا ماما جاني قبول نهائي في الجامعه والتخصص اللي أبغاه، إعلام وعلاقات عامة! 
الأم (تطلق زغروطه بأعلى صوت): ما شاء الله ألف مليون مبروك يا بنتي عقبال التخرج والدكتوراه!
عبير: حبيبي يا ماما بس دعواتك يا غاليه.
هنا يأتي أخو لجين (إيهاب): ايش فيه ليش الزغروطة يا أمي؟
أم لجين: أختك جاء لها قبول نهائي بالجامعه 
إيهاب: لجين هنا وتحدثنا عبر السكايب، يا مرحبا يا مرحبا أهلاً بأختنا الدختوره وبإعلاميتنا الكبيرة، أهم شيء رحتي شيكاغو وقابلتي أوبرا وينفري؟
لجين تضحك: الله يقطعك يا إيهاب .. أنا فين وأوبرا فين؟
إيهاب: أنتي في فلوريدا وهي بشيكاغو، وأنتي أحسن من أوبرا كمان!
لجين: الله على الحب ورفع المعنويات كل ده كان فين كان لما كنت عايشة عندكم؟ نسيت لما تتريق وتقول بتصيري مذيعه وتشتغلي في قناة السعودية الثانية عشان محد يتابعها ويشوفك، وتشتغلي ببرامج الأطفال (اسمك الكريم؟ عندك أنشودة؟) (تعمل حركة المايكرفون بيدها وتقلد صوت أخوها وتضحك)
إيهاب: والله وحشتني الضحكة الحلوة الله لا يحرمنا .. البيت من دونك ماله حس ولا طعم ولا رائحة، البيت من دونك سلطة! (ويصدر أصوات غريب ليدعي أنه ينوح بالبكاء)
الأم: قووم يا واد أمشي تقعد تتبكبك لي هنا! 
إيهاب وهو يكمل نحيب بشكل مضحك (واااهـ)
الأم: مبروك يا بنتي والله بقول لأبوكي أول ما يرجع من الشغل، متى تبدأ الدراسة؟
لجين: إن شاء الله قريب يا أمي بعد شهر يعني في شهر أغسطس، دحين هم يدرسون صيفي وبعد الصيفي راح يكون أول سمستر لي الـ
Fall
الأم: الله يوفقك يارب ويحققك كل أمنتياتك ويسهل كل دروبك
لجين: آمين ولا يحرمني من دعواتك يا غاليه!

 (4)
بالكاد استيقظ مو على صوت المنبه الذي أطال النظر إليه وهو في حالة بهتان بين عالمي اليقظة والحلم ويحاول أن يدفع عنه النوم بفتح عينيه وتمغيط جسده مع قليل من التثاؤب الذي انتابه، ألقى نظرة أخرى على الساعه وكانت تشير إلى السابعة والنص صباحاً وقام بعدها بتكاسل ليضغط على المنبه حتى يكف عن الرنين المزعج والمتواصل، اتجه إلى الحمام بتثاقل وتباطؤ وهو يحك رأسه ويغسل وجهه ويفرش أسنانه كطقس يومي معتاد عند الاستيقاظ من النوم، يدخل بعدها المطبخ ليعد لنفسه الفطور وما هي إلا ثواني معدوده حتى أتى شريكه بالسكن ويبدو أنه هو الآخر للتو استيقظ من نومه .. 
صديقه: صباح الخير أرى أنك أستيقظت مبكراً ونحن في عطلة نهاية الأسبوع، ليس من عادتك، ما الخطب؟!
مو: صباح النور، لا عليك هناك محاضرة أود الذهاب إليها! 
ينظر صديقه إلى طعام الإفطار الي يعده مو ويعلق: يمييي لذيذ البيض مع النقانق فطوري المفضل! ويتناول الصحن من مو ويجلس ليأكله، وبينما هو يمضغ الطعام يسأل مو: لم تقل لي ماهي المحاضرة التي تود حضورها؟! 
موو: ألم أقل لك ليلة البارحة أريد الذهاب إلى المحاضرة التي تقام كل يوم سبت في مركز الدعوة الإسلامي ويتكلم عن الإسلام وماهيته! حتى أنك أيدتني ووافقت الذهاب معي! 
صديقه: ماذا؟!! ولكن اليوم سبت وأنا لا أريد الذهاب لمحاضرات، كل ما أود فعله الآن هو الاسترخاء بعد عناء أسبوع كامل من العمل! 
مو: يعني لا تريد الذهاب معي! ولمَ لم تقل لي ذلك منذ البداية؟لماذا غيرت رأيك!
صديقه: كلام الليل يمحوه النهار، لابد أنني كنت ثمل ليلة البارحه! وآسف يا صديقي من قوانيني في الحياة أنني لا أستيقظ مبكراً في إجازة نهاية الأسبوع لحضور محاضرات، ألا يكفي محاضرات قاعات الدروس؟! (ثم صمت وكأنه يريد أن يغير الموضوع): ماذا دهاك يا رجل؟! ما بالك تشغل نفسك بالإسلام والمسلمين؟! أنت غريب الأطوار بالفعل!
مو: أملك رغبة داخلية ملحة تدفعني للتعرف على هذا الدين وهؤلاء الجماعة والقيم التي يتبنونها والعادات والتقاليد التي يمارسونها 
صديقه: ما النفع التي قد يعود عليك من هذه المعلومات؟ 
موو: لا أدري مجرد إشباع للفضول وقد يكون بحثاً للهوية 
صديقه: ماذا تقصد بقولك بحثاً عن الهويه؟ 
مو: يا عزيزي ... نحن كشعب أمريكي نفتقد لما يدعى الهوية ... نسمى أو ندعى بـ
Melting Pot 
اختلطنا نحن  الأجناس وأختطلت علينا الطبائع والعادات والتقاليد ونتج عنا ما يعرف بالـ
Typical American 
ولكن السؤال ماهو الأمريكي النموذجي والمتعارف عليه، ماهو الطبيعي في مجتمعنا، وما العادات والتقاليد التي نتبعها، ومن أين بدأ تاريخنا وكيف سينتهي؟ أتمنى يوماً لو أقول قومي يفعلون كذا بسبب كذا ولكن هنا لا قومية تجمعنا ولا ايديلوجيه ولا حتى عرق .. من نحن يا صديقي؟ هل تملك الإجابة الشافية على هذا السؤال؟!
صديقه: مو لا ترهق نفسك بهذه الأفكار السخيفة والتساؤلات التي ليس لها معنى، فقط كن على طبيعتك كن نفسك .. كن أنت! فأنت لا تتكرر حاول أن تكون نسخة جيدة عن نفسك! لقد تعبنا كثيراً في إقرار وتعزيز الفردية في هذا المجتمع وقدسنا الحرية والاستقلال حتى يكون كل فرد فخوراً بنفسه مهما كان ... 
مو: يا صديقي إنك لا تعرف روح الجماعة هنا يكون التعزيز للفرد، ولكن باعتقادي أن الجماعة تأتي قبل الفرد .. ومصلحة الجماعة مقدمة على الفرد .. ألم ترى كيف الإهتمام بعائلتهم ووالديهم وذويهم، تشعر بتكاتفهم ووحدتهم، وهذا ما نص به دينهم الإسلام "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا"
صديقه: وماذا تعني نصوصهم يا مو ونحن لا نؤمن بها؟ 
مو: تعني الكثير .. تعني جذور ثابتة أصلها في الأرض وفرعها في السماء، نصوص كتبت عن ما يزيد قرن ونصف القرن ويستمدون منها مباديء وقيم وتعاليم يتبعونها وهوية تميزهم عن غيرهم من المجتمعات، وثقافة يستقون منها وحضارة يبنونها، والإنسان الذي لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل لديه!  

تابعونا القصة كل يوم إثنين 
تويتر @eman_osaimi

Monday, October 24, 2016

الفصل الخامس - التناقضات الفاخرة




(1)
استيقظ مشاري من النوم وهو بالكاد يفتح عينيه وقد تثاقلت جفناه وأخذ يشد على رأسه وكأنه ارتطم بصخرة وأصيب بصداع مصاحباً لألم شديد على حين غره وطفق يمسك رأسه ويأن من الألم، وبعد أن سكن الألم قليلاً أخذ يتلفت حوله ويحملق متفاجأ فلم يكن يتوقع وجود فتاة تشاركه السرير، يمسك رأسه أكثر وهو يشعر بأنه سينفجر في أي لحظه وستخرج عينيه من محجرهما وطفق يشعر بالدوار وعيناه محمرتان ويبدو أنه كان يعاني من الإفراط في الشرب من ليلة البارحه والسهر المبالغ في النادي الليلي، يحاول أن يستجمع شتات نفسه أن يجد أشياؤه المتبعثره هنا وهناك جواله مفاتيح سيارته وقميصه الملقى على الكنبة وأخيراً بنطاله الذي بحث عنه مطولاً ووجده أخيراً تحت السرير!
بعد أن جلس على حافة السرير نظر إلى الفتاة التي تغط بنوم عميق على سريره ثم تمتم يقول: "يا ربي! هذي ايش اللي جابها جنبي! ضاقت عليها الفسيحه! نشبة" 
يقلب جواله وهو بالكاد يستطيع أن يفتح عينيه  وكأنه رأى شيء مهم: (أوه شتتتتتت، ما بقى في رصيدي غير 500 دولار وأنا باقي ما سددت الإيجار! الحين لو أطلب أبوي يسوي لي محاضرة ويقولي الشهر اللي فات مرسل لك! يا الله! يعني ما يعرف أن المكافأة لا تكفي الحاجة!
تستيقظ الفتاة الأجنبيه على صوته وهو يتذمر وتسأله: مشاري .. ما الذي حصل؟!
مشاري: لا شيء مهم .. فقط اقرأ رسائل جوالي 
البنت: وهل يستدعي ذلك قرأتها بصوت عالي ومزعج؟ ..
مشاري: ومن طلب منك أن تنامي هنا وتتذمري من ازعاجي لك! ألم تعجبك الأريكة القابعة بالصالون!
البنت: ولم أنت لم تختر الذهاب للنوم هناك على الأريكه؟! حقير!
مشاري: عجيـب أمرك، إنها شقتي وسريري وأيضاً أريكتي ومن حقي أن أنام في المكان الذي أختار .. يجب أن تكوني ممتنه لأنني سمحت لك بالنوم هنا من الأساس وإلا كنت ستجدين نفسك ملقاة على أحد الأرصفة من أثار السكر ولا تستطيعين النهوض! 
تنظر إليه ولا تعرف ماذا ستقول ثم تسحب اللحاف بقوة من تحته وتمضي إلى الصالون لتكمل نومها على الأريكة!
مشاري يتمتم بغضب: والله ما حقير إلا أنتي! جايه تتلحوس عندي تحسب إني غني ما تدري إني مفلس وعايشه على المكافأه ورحمة أبوي!

(2)
يقف "مو" أمام تلاميذه في فصله وهو يقدم عرضه وكان يحتوي صور كانت للمسرح الإنجليزي القديم وعلاقته بالفن والأدب الحديث ويعلق: لطالما ارتبط المسرح بالأدب ارتباطاً وثيقاً، فقد كانت العلاقة بين المسرح والأدب علاقة تلازمية فلا وجود للمسرح بدون أدب والعكس، فمن الأدب استمد المسرح قصة تمثيلية تعرض فكرة أو موضوعاً أو موقفاً أو درساً في الأخلاق والقيم أو تناقش قضية إجتماعية من خلال حوارات تدور بين شخصيات مختلفة تتفاعل مع بعضهم البعض، وعن طريق  التفاعل بين هذه الشخصيات يتطور الموقف المعروض حتى يبلغ ذروة التعقيد، ثم يستمر هذا التطور لينتهي بانفراج ذلك التعقيد ويصل إلى الحل المسرحي المطلوب والذي من المفترض أن تتشوق الجماهير لمتابعته. 
المسرح عبارة عن مساحة للتعبير يبعث الحياة فيها من خلال النص الأدبي عن طريق التمثيل والأداء، وأحياناً القارئ لا يتمتع بالنص المسرحي أو ينفعل به إلا إذا كانت المسرحية ممثلة أمامه أو يتخيلها كذلك. ولذلك دور الممثل جداً مهم وفعال في بعث الحياة في النصوص المسرحية. وقد تفشل المسرحية إذا فشل الممثل في أداء رسالته على المسرح. 
يتوقف مو قليلاً ليعرض الشريحة التالية ويسأل طلابه: تعرفون هذا الرجل الأديب الذي كان له بصمة مميزة في الأدب ومازالت مسرحيته تلهم الكتاب والممثلين ونصوصه خالده تستخدم إلى يومنا هذا؟ 
أجاب أحد التلاميذ: طبعاً إنه شكسير!
ثم يكمل مو: بالطبع إنه شكسير والذي صنف كأعظم كاتب مسرحي بريطاني، واليوم سنختار مسرحيته الشهيرة أوثلو أو عطيل بالعربية ونسهب في الحديث عنها، فقد نشرت مسرحية عطيل لأول مرة في طبعة تعرف بال(كوارتو الأول) عام 1722م ثم نشرت في مجموعة أعمال شكسبير الكاملة المعروفة بالـ(فولير الأول)، وقد مُثلت في بلاط الأمير جيمز الأول في لندن في عام 1604م
يقف مو قليلاً ثم يسأل الطلبه: ماذا تعرفون عن هذه المسرحيه وما قصتها؟
يجيب أحد الطلبه: القصة باختصار يا أستاذ مو أن عطيل رجل عربي أسمر البشرة أحب ابنة تاجر في البلد اسمها "ديدمونة" وكان عطيل يكثر من القدوم إلى بيتها ويلتقي بها سراً ويحدثها عن حياته والمخاطر التي تعرض لها والحروب التي قادها وانتصر فيها على الأعداء. لذلك ولمواقفه البطولية أحبته ديدمونة وتعلقت به وأفصحت له عن مشاعرها، وبعد ذلك تزوجت عطيل على الرغم من معارضة والدها للزواج! 
يكمل مو: جميل ملخصك يا كريس وفعلاً المسرحيه مثيره وتعتبر المفضلة لدي ولكن لم ينتهي الموضوع عند هذا الحد بل أن المحبين اتفقا على الزواج سراً! وعندما علم والدها غضب غضباً شديداً ..  وألقى على عطيل تُهم عديدة من بينها أنه استخدم السحر في إقناع ابنته بحبه ولكن عطيل برأ نفسه من هذه التهمة بل وكسب تعاطف المجلس معه فتم تعينه قائداً على الجيوش التي ستتحرك لملاقاة الأعداء الأتراك في مدينة قبرص فانطلق الجيش وعلى رأسه عطيل و برفقته زوجته المخلصة ديدمونة .. ولكن الحدث الأهم هو عندما وقع أحد أتباع عطيل بينه وبين زوجته .. وأثار في نفسه كوامن الشك والغيره ضد زوجته وقال لعطيل محرضاً له: "لقد تزوجتك دون أن تحصل على موافقة أبيها وخانت ثقته، وقد تخونك" وهنا جن جنونه وغزا الشك قلبه وعقله إلى أن أرداها قتيلة على فراشها!
ولكن الأكثر إثارة بالنسبة لي هو عندما تترجمة هذه المسرحيه إلى اللغه العربيه وقد ترجمها مطران وأكد على ان اسم عُطيل من أصل عربي فقد يكون منحوت من (عطا الله) أو لأنه (عاطل المقدرة)
هذا يعني تأثر الأدب الانجليزي بالعربي، ومن رأيي الشخصي أن شكسبير أستلهم من بسالة وجرأة الرجل العربي في الحروب وأيضاً من ناحية أخرى غيرته الشديده على زوجته ومحارمه .. واندفاعه ناحية المعارك، هذا بالإضافه إلى الصفات الخارجيه من سمار البشره والهيئه التي أصر شكسبير على وصف بطل مسرحيته بها وإدراجه في كتاباته. 
يقف بعد ذلك ليقول جمله استفهامية بأسلوب تقريري: هل رأيتم كيف لثقافات مختلفه تأثير على الأدب الإنجليزي!

(3)
مرت أيام قليله على التحاق سليمان بمعهد تعليم اللغة الانجليزية التابع لجامعة ميامي، وتم تسجيله في مراحل متقدمة من مستويات اللغه بعد إجتيازه إختبار تحديد المستوى وذلك لشدة ذكائه وحرصه على تعلم اللغة في أقل وقت، وتواجدت عنده خلفية للغه الانجليزية جراء مشاهدته لأكبر عدد من الأفلام الأمريكية، إضافة إلى مراجعه وكتبه التي استخدمها في جامعته بقسم الهندسة والتي كانت جميعها بالإنجليزية! 
كان يجلس في الصف فاتحاً كتابه أمامه ومعه قلمه استعداداً لبدء الدرس وكان معه في الصف طلاب من مختلف الجنسيات إضافه إلى لجين والتي كان يرمقها بنظرات استحقار لأنها فتاة سعودية ولا ترتدي حجابها! 
كان فصل القراءة الحرة وكانت المعلمه قد طلبت من الطلاب بفتح الكتاب على صفحات تحكي عن تاريخ أمريكا وعن دستورها الذين وضعوه ليحقق لهم حياة سعيدة فيها عدالة إجتماعية وحرية ومساواة بين جميع أفراد المجتمع سواء كان أسود أبيض غني فقير رجل وامرأة طفل أو حتى كهل.  
 استعد الطلاب لفتح صفحات الكتاب ولقراءة صامته لمحتويات الدرس .. 
بعدما أعطت المعلمة برهة لطلابها يقرأون بدأت تشرح وتقول: "وثيقة التحرير" كما أسماها الأمريكيون وكتبها أبراهام لينكولن عام 1864م كانت تحتوي على إقرار لثلاثة حقوق للإنسان .. وهي .. الحريه .. المساواة .. ومنح فرصة السعي وراء السعاده لكل فرد من أفراده ... تصمت المعلمه برهة ثم تكمل "لقد كان ذلك ذكاءاً من لينكولن أن يستخدم مفردة السعي وراء السعادة وليس السعادة وحدها لأن تحقيق السعادة وعد قد لا يستطيع الإيفاء به في معظم الأحوال ولكن يمكنه الإيفاء بإعطاء فرصة أو تسهيل السبيل للسعي وراء السعادة.. ولكن تعلمون لا أعتقد أن هناك وجود للمساواة مطلقة وخاصة المساواة بين الجنسين، فعلى سبيل المثال هنا بالولايات المتحده مازلنا نعيش بالقرن الواحد والعشرين والمرأة الأمريكية راتبها أقل من الرجل حتى لو قامت بنفس العمل ولها نفس المركز الوظيفي. 
هنا قالت لجين: ولكن على الأقل الأمريكيه تمتع بحقوق مثل استقلاليتها ولديها حريه التنقل بسيارتها وتُعامل على أنها إنسان لها كيان مستقل ولها حرية الإختيار لمجالات الدراسة المفتوحة لها والعمل المختلفة ولا تواجه الاحتكار في مجالات ضيقة ومحددة إذا أرادت أن تكون مهندسة أو مديرة شركة لها ما تريد عليها أن تثبت جدارتها، وتملك حق التصرف في شؤون حياتها فتسافر متى تشاء وتتزوج من تحب، على عكس المرأة السعودية التي تعامل على أنها قاصر وتحتاج أن يكون لديها وصي في شتى أمور الحياة المختلفة ورقيب عليها! حتى لو أرادت الذهاب للبقاله وجب عليها أن تستأذن!
قاطعها سليمان وكان غاضباً: هذا الكلام غير صحيح تماماً  ولا أتفق معك بل أن المرأة السعودية ملكة وجوهرة ثمينة ودرة مكنونة مصونة نحافظ عليها و لا نريد أن نجعلها كقطعة الحلوى المكشوفه التي يلتف عليها الذباب (وتوقف قليلاً ليسأل المعلمه وكأنه بسؤاله واثق بدحض حجة لجين وإخراسها) هل يا معلمتي الفاضلة لو كان لديك قطعة حلوى مكشوفه (ويرمق لجين بنظرة استحقار على أنها لا ترتدي الحجاب) وأخرى مغطاة ما القطعة التي ستختارينها لتأكلينها؟ 
المعلمه وقد فهمت مغزى سؤال سليمان الأخرق: قد تكون المكشوفه بنكهة العنب ورأيتها وأعرفها ويعجبني طعمها ولذلك سأختارها!
لجين: يا أستاذه قصة أن السعوديه ملكة كذبة كذبوها وصدقوها، هل الملكة لا تستطيع العمل أو الدراسه أو حتى الزواج إلا بإذن ولي أمرها و ليس لها إرادة لإختيار زوجها أو الطلاق منه بسهوله؟ وفي الإسلام أقر أن الزواج يجب أن يكون عن تراضي وقبول بين الطرفين. هل الملكه تنتظر في الشارع مطولاً وتتجهول ليقلها سائق أجره غريب ويتحرش بها بنظراته وبكلماته وقد يتطاول عليها لأنها لا تستطيع قيادة سيارتها بنفسها؟! أليس ركوبها بمفردها مع هذا الغريب يعتبر خلوة غير شرعية؟! هل تحرم الملكة من الوصاية على أطفالها بمجرد ما انتهت العلاقه مع زوجها وتفقد أطفالها وتحرم من أمومتها ومن رؤية أطفالها أو حتى مكالمتهم؟! هل الملكة تجبر وليس لها حق الإختيار أن تلغي هويتها وملامح وجهها وتخرس فمها وذلك بإرتداء النقاب أو اللثام وتتمع لفتاواهم أن صوت المرأة عورة؟ وبالمناسبة ارتداؤها لغطاء الوجه لم يحمها من التحرش ولكنها زادت من نسبة التحرشات، أعتقد أن ذلك خرافة وأسطورة ليقيدوها ويحكموا سيطرتهم عليها!
المعلمة (تقف مبهوره من كلام لجين) ثم تمتم: شكراً لجين على إيضاحك لهذه النقاط التي كنا نغفل عنها! 
سليمان بحنق: هذا كلام مبالغ فيه غير صحيح!
لجين: اللي ايده في النار مو زي اللي ايده في الموية!! وليش تزعج نفسك وتتبنى وجهة نظرنا وتضع نفسك مكان المرأة وأنت رجل في مجتمع يعاملك ملك ويعامل النساء كجواري، وتضحكوا عليهم بحكاية الحلاوة المقرطسة والدرة المصونة والجوهرة المكنونة!

(4)
وبينما كان كل ما تقوله لجين افتراضات باطلة في الهواء على حد تعبير سليمان كانت مواقف تحدث على أرض الواقع ويعاني أبطالها، فــ عبير صاحبة الطموح الجامح والأهداف اللامنتهية تفترت ذراعيها من التجديف والسباحة عكس التيار وبدت تظهر علامات رضوخ لقرار أهلها بعدم السفر لوحدها فوافقت على مضض بالزواج من أول طارق يطرق بابها لعل وعسى أن يكون حبل النجاة الوحيد لتحقيق حلمها وهو السفر معها للدراسة بالخارج ... 
الأم: الناس اليوم جايين يزورنا ويشوفونك لا أوصيك تكشخين وحطي مكياج .. يارب تعجبينهم!
عبير وهي تفكر (ليش بضاعه يشترونها مو آدميه يتزوجونها)
الأم: امممم .. مو قلت لك تطلعين فستان أو تنوره تلبسينهم أحسن من البنطلون! ذبحتينا بالبنطلونات هذي، خليكي أنثى يا بنتي لا تصيرين ذكر! 
(صوت جرس الباب) 
أوه يلاااا وصلوا الناس.. أنا بروح أفتح الباب وأنتي كملي لبس ومكياج ترى ولدهم "العريس" ممكن يجي معاهم عشان يشوفك.
عبير باستنكار: ما شاء الله جاء معاهم وبيشوفني كمان ولا حتى أحد يكلف على نفسه ويأخذ برأيي إذا أنا أبغى أشوفه ولا حتى تقولوا لي عشان استعد؟!
وتمشي الأم وتترك عبير تتكلم وكأنها تحدث نفسها!  
بعد مرور قليل من الوقت نادت الأم ابنتها عبير لتدخل وتسلم على الضيوف الأفاضل وكانت عبير بدورها تفرض على نفسها ابتسامة صفراء ومجاملة ترسمها على وجهها أمام أهل زوجها مستقبلاً حتى يتم التوافق: عبير يا بنت تعالي سلمي على عمتك أم زوجك! 
تدخل عبير إلى الصالون الذي يجلسون فيه الضيوف وتبدو مرتبكة تماماً والخجل واضحاً عليها وهي تتقدم ناحية الضيوف لتسلم عليهم .. 
أم العريس ومعها ابنتها (أخت العريس) تنظر لعبير وكأنها تتفحص سيارة جديدة تود شراؤها وتقول: ما شاء الله على عروستنا الحلوة الجميلة .. (وتقبلها على وجنتيها مره ومرتين وثلاث .. وتمسكها من كتفيها وتضغط عليهما وهي تتنقل بعينيها وبشكل سريع من شكل وجه عبير وعينيها ولون شعرها ونوعه إلى شكل تضاريس جسدها وانحناءته الدقيقة. تعيد الكرة وتتفحص نفس المناطق السابقه ولكن هذه المرة أكثر بتأني وحتى تتأكد أنها تأخذ انطباع صادق وحقيقي عنها .. وتتمتم ما شاء الله ما شاء الله وفمها كاد يتشدق من فرط الفرحة فقد نجحت عبير وأخذت الموافقه من والدة زوجها! 
أم عبير وقد لاحظت وقوف ابنتها عبير مشدوهة فصاحت بها لتعيدها للواقع: عبير صبي قهوه لضيوفنا .. يا مراحب والله نورتونا زارتنا البركة!
أم العريس عادل: والله يا أم عبير تعرفين ولدنا عادل ما شاء الله متخرج من الثانوي والحين هو في المعهد التقني يبغى يشتغل بالبلدية.. طموح ولدنا.
عبير في بالها: (أمحق طموح!)
أم عبير: ما شاء الله .. مثل بنتي عبير اللي تبي تسافر برا  ومتخرجه الأولى على دفعتها مع مرتبة الشرف
أم عادل: الله يوفقهم والله أشغلونا بالبعثات هذي .. صارت الناس بتسافر ومحد قعد بالبلد غير الأجانب ويترزقون الله .. المال مال أبونا والناس حاربونا! 
أم عبير: والله ما يخالف يسافرون عيالنا بس لازم نزوجهم .. تعرفين الواحد يحصن نفسه هناك في بلاد الكفار .. اللي والعياذ بالله كل شيء مسموح عندهم من شرب وبلاوي..
أم عادل: اي أعوذ بالله .. وشهوله الواحد يسافر ويروح لهم إذا حصل وظيفة في بلده وعند أهله استقرار وأمن وأمان .. تسكت وتكمل .. والله ولدنا شارط الشوفة الشرعية يا أم عبير .. اسمحي لنا ..
أم عبير: مسموح .. حقه وشرع الله ..  (أم عبير تأشر بعينيها لعبير يعني باشري بالحلاوه ... وبعدين اخرجي) .. .
تقدم عبير الحلوى لهم وتخرج على عجل وهي تقلب عينيها الذي يتضح من خلالهما أنها غير راضيه تماماً عن الوضع .. وتتحسر على كونها فتاة وعلى اظطرارها للتعرض على مواقف كهذه والتي تشعر فيها كأنها سلعة تباع وتشتري ولا أحد يلتفت إلى طموحها وخططها أفكارها شخصيتها روحها المرحة وشخصيتها كأم.. فخطته هو أولاً والتي تكون حصرياً قابلة للتنفيذ!

(5)
انتهى فصل القراءة وذلك بعد انتهاء نقاش حامي خاضته لجين مع سليمان، ولم يسفر هذا الجدال العقيم عن أي ثمار بل نتيجته كانت سلبية ومن أثاره وقوع تكهرب بالجو وضحاياه نفوس متكدرة وإطلاق ظنون سئية وأحكام مسبقه من كلا الطرفين ناحية الطرف الآخر. 
خرجت لجين من قاعة الدرس وهي تحمل الحقيبة على كتفها ومجموعة من الكتب بين يديها, كان سليمان يحاول اللحاق بها ومناداتها  
سليمان: يا أخت ... يا أخت ... 
تقف لجين ثم تلتفت له: نعم يا أخ!
سليمان: ما كان من المفروض تقولين الكلام اللي قلتيه في الكلاس عن المرأة السعودية، حنا ناقصين تشويه لسمعتنا قدام الأجانب، وبعدين لازم تفهمين أن هذا شرع الله، يعني إذا كنت تعتقدين أن شرع الله غير عادل في حق المرأة المسلمة معناته أنك ما تعتقدين نقص في العقيده وبالتالي أنتي من الخوارج!
لجين وقد ارتسم على وجهها علامات الصدمة والدهشة وصدرت منها ابتسامة سخرية من هذا الشخص الذي يقف أمامها وينعتها بالردة والخروج عن الإسلام لمجرد أنها دافعت عن حقوق المرأة: أولاً مو من حقك تدعي أني من الخوارج، ثانياً سمعتنا سئيه بالأساس ما ينفع تخفي الشمس بغربال والحقيقه ساطعة وواضحة سطوع الشمس في وسط النهار، والحقيقة المرة والتي لم تتقبلها حضرتك أن المرأة السعودية تعامل بغير عدل وتعتبر مواطنة من الدرجة الثانية..
سليمان: يعني تبين يصير حرية وإنحلال مثل هنا! بناتهن ما توصل عمر 21 إلا فاقدة عذريتها! 
لجين لم تكن تتوقع محدودية تفكير سليمان وتحاول أن تكمل حوارها بهدوء لعل وعسى أن تلمس فيه جانب أو تؤثر على فكره بطريقة ما: على فكرة لازم تفهم أن الشرف أكبر من أنه يكون غشاء بكارة، وتدري ايش مشكلتنا؟! أننا نعتبر حقوق المرأة تغريب، وبعدين..... 
يقاطعها سليمان: المرأة عندنا معززة مكرمة مو ناقص عليها شيء أنا مثلاً إنسان أعامل أمي وأخواتي كأنهن ملكات ولا أخلي غريب يشوفهن أو يخرجون معاه أوديهن لو يبون يروحون المريخ .. 
لجين: يعني إذا اشتغلت عندهم سواق يصيرون ملكات؟! إذا ساقوا بنفسهم ما راح يخرجو مع إنسان غريب وإذا كانوا ملكات زي ما تقول يختارو هم اللي يبغونه ..وإذا اختاروا أنهم يسوقو فهذا حقهم!
سليمان: لا ما يختارون .. لأن النساء ناقصات عقل ودين ما يعرفون مصلحتهن لازم رجل يقرر عنهن! .. 
لجين: أنت فعلاً مناقض نفسك، وهذا الحديث اللي تحفظونه وماعندكم غيره تستشهدو فيه حديث ضعيف بالمناسبة، ونسيت وصية الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته وهو على فراش الموت كان حديث صحيح .. وهو يقول: "أستوصوا بالنساء خيراً، وأنا خيركم لأهلي" ناسينه تماماً وناكرين الظلم الواقع على المرأة في مجتمعنا، النفقة مثلاً من حق المرأة .. ولكن إذا كانت تشتغل هي المسئولة عن الصرف داخل بيتها .. من إيجار وراتب سواق وشغاله وحتى مصروف مدارس لأولادها .. لكن للأسف الرجل عندنا يكنزها عشان يتزوج الثانية ..
سليمان: وقتها من حقي ومدام أنها تشتغل معناتها تأخذ من وقتي ولازم تعطيني من راتبها بالمقابل!
لجين ترفع صوتها منفعلة: ليش هي زوجتك ولا عبده عندك؟!!
سليمان (بأسلوب استفزازي): زوجتي .. ملكي .. حلالي  
لجين: 
You are such an AS****E
أنت أخرق!
سليمان (يضحك لأنه استفزها):
You are welcome sweety 
على الرغم أن مشاري كان يراقب النقاش الذي كان يحدث بين لجين وسليمان منذ وقت ليس ببعيد، إلا أنه يأتي بعد ارتفاع صوت حدة الخلاف الذي احتد ونشب بينهما! 
مشاري: خير خير ..
سليمان: وين الخير وهذي الأشكال تتحذف علينا، متأثرة بالفكر الغربي العلماني وتسوي أنها تمثل الإسلام .. والإسلام بريء منهم .. مشكلتها ما لقيت أهل يربونها ويردونها عن دربها .. مفلوته .. ماشيه من دون حجاب وجاية في بلد بعيد وعايشة بلحالها من غير محرم!
مشاري: مين .. تقصد لجين؟ لا يا رجل معليش والله هي بنت محترمة، وصدقني من النوع الصعب! صحيح أنها ما تتحجب لكن مو معناته أنها مفلوتة وماعندها مباديء! لا تنسى فوق هذا كله هي مزه!
سليمان (يتفحصها بعينيه وهي تبتعد عنه مسرعه الخطى وغاضبه): بفهم كيف يبتعثونها أهلها بلحالها وهي تفتش كذا!

تابعونا القصة كل يوم إثنين
تويتر @eman_osaimi

Monday, September 5, 2016

الفصل الرابع - جرح لا ينكأ

قبل قراءة الفصل الجديد ينصح بقراءة الفصول السابقة للقصة .. الروابط هنا:

الفصل الأول - قرار الرحيل
تكملة الفصل الأول - قرار الرحيل!
الفصل الثاني - يوم جديد

الفصل الرابع

(1)
رن هاتف المنزل الثابت مطولاً في منزل عبير ثم صمت برهة وعاد بعدها للرنين مجدداً بإصرار مستفز ومبالغ، كانت عبير تجلس في غرفة المعيشة و تشاهد التلفاز حتى أزعجها صوت رنين الهاتف المتواصل والذي بدا وكأنه يتوسلها لتجيب عليه. 
تناولت عبير سماعة الهاتف حتى تسكت الرنين الذي لا يخرس 
عبير:الو .. أهلاً .. 
أم طلال: السلام عليكم .. مين؟ 
عبير مستنكرة سؤال أم طلال وترد بصبر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. معليش أنتي المتصله .. مين؟ 
أم طلال: أكيد أنتي عبير .... شلونك حبيبتي؟ وشلون الوالده؟ أنا أم طلال صديقة أمك شفتك في عرس بنت أم غازي ما شاء الله كبرتي وحلويتي وصرتي عروس!
عبير: الله يخليك يا خالة من ذوقك (تحاول أن تنهي الحديث مع أم طلال التي كانت تمضغ الكلام سريعاً وتغلب على نبرة صوتها الصفاقة) تبين الوالده؟ (ودون أن تجيب عليها أم طلال) لحظة بنادي لك إياها!
أم طلال: لا هنتي حبيبتي! 
جاءت أم عبير وأخذت السماعه من ابنتها عبير .. وهي تسأل: مين؟ .. حركت عبير شفاهها: أم طلال المطفوقة .. أم عبير توميء برأسها وكأنها توافق ابنتها .. 
بعدما انتهت أم عبير من المكالمه التي استمرت حوالي 10 دقائق ..  
جاءت لابنتها عبير التي كانت مازالت تجلس في غرفة المعيشة وتشاهد التلفاز ولم تكن تعر أدنى إهتمام لأم طلال ولا لاتصالها، كانت تقترب من ابنتها ويرتسم على وجهها  إبتسامة زهو، واحدة من تلك الإبتسامات التي تأتي عقب النجاح والظفر، وأخيراً تكللت محاولات والدة عبير بالنجاح في إقناع ابنتها لحضور أكبر قدر من حفلات الزفاف حتى يتم اصطياد عريس ويأتي خاطب ليطرق بابها، وجاء العريس بعد محاولات كثيرة من والدة عبير على إقناع ابنتها لحضور حفلات الزفاف وكانت عبير في البداية تذهب مكرهة، ولكنها في الآونه الأخيره باتت تذهب للأعراس مختارة لا مجبورة ولا مظطرة وكأنها رضخت لواقعها الممل وأرادت أن تتسلى وهذا سهل العمل على والدتها كثيراً!  
الأم وكأنها ظفرة برأس غليص أو فازت ابنتها باليانصيب: مبروك يا بنتي، جالك عريس لقطة! اسمه عادل وهو شاب بالعشرينات طويل وأسمريكا ومزيون متخرج من الثانوية العامة ومعه دبلوم من المعهد التقني ويعمل في بلدية جده.. 
انتهت جملتها الأخيرة وهي تراقب وقع الكلام والبشرى السارة في نظرها على ابنتها، فعلقت عبير (غير مكترثه): أكيد لقطة والمصدر موردة العرسان أم طلال؟ .. والله الكتاب مبين من عنوانه!
الأم (بعصبية): ليش أنتي دائم كذا؟ ومحد عاجبك وشايفة نفسك غير عن العالم 
عبير: لا والله مو مسألة شايفه نفسي، بس يا أمي هذي أم طلال، اللي ما تخلي أحد في الحي كله الا وتحاول تجيب لهم عرسان ويا ليتهم عدلين! وباين أنها تشتغل خطابة ودفعتي لها عمولة! 
الأم: أولاً ما تشتغل خطابه ولا دفعت لها هللة هي بس تحب توفق رأسين بالحلال .. ثانياً تحبك وتبغى لك الستر ..
عبير: كل ما قلتوا قلتوا الستر .. ليش أنا مفضوحة يعني؟ شايفيني ماشية في الشارع مفصخة! 
الأم: يا الله يا عبير يا بنتي يا حبيبتي مو معناة نبغى لك الستر إنك مفضوحة، لا بالعكس نبغاك يصير لك بيت وتصيرين ست مثل باقي البنات، ولا هم مو زايدين عنك بشيء (تصمت الأم قليلاً وكأنها تعبت من الجدال العقيم الذي لا يثمر مع ابنتها ثم تكمل) على فكره مواعدينهم الخميس الجاي، ولازم تقابلينهم .. واحتمال ولدهم يجي معاهم .. عشان الشوفة!
عبير وقد بدت ملامحها مصدومة من أمها التي أعطت مواعيد لضيوفها الأفاضل من غير أن تأخذ إذنها! والأكثر صدمة أن من هم على شاكلة أم طلال يقررون عنها حياتها ويختارون لها شريك تقضي معه بقية العمر! وهي أن تتزوج وعاجلاً غير آجلاً! ولأول طارق يطرق بابها! 

(2)
استيقظت لجين صباحاً وكان يغلب عليها في هذا اليوم التوتر والترقب، لأنه اليوم الذي قد يغير من حياتها وهي تنتظر القبول من الجامعة أو الرفض من أجل إكمال دراستها للماستر، قررت أن لا تنتظر الماء المغلي فقد لا يغلي سريعاً، وذهبت لتصنع لها عصير طبيعي فوضعت قطعه من الأناناس وعنقود من العنب الأخضر والبقدونس وبعض أوراق السبانخ في الخلاط مع زيادة قليل من الماء حتى يخلط المزيج جيداً، نزلت بعدها لصالة التمارين الرياضية الموجودة في مجمعها السكني لتركض على آلة السير لمدة نص ساعة أو تزيد فقد كانت مهووسة بالأكل الصحي والرياضة وكانت تريد من الوقت أن يذهب سريعاً ولا تشعر بوطأة الانتظار. 
وبينما كانت مشغولة بعمل تمارين للبطن فوجئت بأن الساعة قد تجاوزت الثانية عشر ظهراً، تناولت قارورة الماء وشربت قليل منها ثم اتجهت إلى خارج صالة الرياضة. وفي طريقها قابلت جارتها التي كانت تنزه كلبها فألقت عليها التحية وعلقت قائلة أنه يوم جميل والطقس مثالي، ذهبت إلى ركن صناديق البريد لتفتح صندوقها ولتجد بريد من الجامعه فتحته وهي على أعصابها فمن الخارج كُتب عليه عمادة القبول والتسجيل في جامعة ميامي، فتحته وهي تأهب نفسها لأسوأ الاحتمالات وهو الرفض وتتمنى الأفضل وهو القبول! ومع ذلك لم تستطع تحمل فكرة عدم قبولها فهزت رأسها بالنفي وكأنها تطرد هذه الفكرة السوداء من عقلها! 
لطالمها أرادت أن تقيم وتدرس في جامعة ميامي وذلك لحبها للمدينه وجوها اللطيف وشواطئها الرائعه والتي تحيط بها من جميع الجهات، ولأنها تآلفت كثيراً مع المنطقه وقد يصعب عليها التنقل من ولاية إلى أخرى وكأنها بذلك تنتقل من بلد لآخر، إضاقة إلى قوة برنامج تخصصها في الجامعه وسمعتها الجيدة والتي تعد من أفضل البرنامج في الولايات المتحدة الأمريكية! 
فتحت الظرف وكانت ترمقه بطرف عينها لتقرأ عبارة .. 
Congratulations you have been accepted at University of Miami
مبروك لقد تم قبولك في جامعة ميامي! 
فقفزت فرحاً وهي تهتف: الحمدلله لك يارب الحمدلله! ولا إرادياً  انحنت وسجدت على الأرض شكراً لله، ورفعت عينيها للسماء وهي تتمتم بإمتنان الحمدلله وتثني على الله نعمة القبول.
وكان هذا الخطاب بمثابة بداية فصل جديدة في حياة لجين! وداعاً أيها المعهد الممل ومطاردة مشاري لها في السراديب وقاعات الدروس وأهلاً بالحياة الجامعية الجديدة. 

(3)
كان منظر غروب الشمس والسماء التي تلونت بلون أزرق فاتح ممزوج بحمرة الشفق من شرفة "مو" منظراً يحفز على التأمل والإسترخاء تحت جناحه ويحق لأي متسامرين أن يحدقون فيه مطولاً وباستغراق تام، وهذا ما كان يفعله مو وهو يجالس صديقه "ستيف" واضعاً أمامهم إبريق من الشاي المغربي محاطاً بفناجيل للشرب وبجانبه رأس من الأرقيله. 
يأخذ "مو" نفس عميق من الأرقيله ثم ينفث كل الدخان من أنفه، وبدا وكأنه غارق في التفكير كعادته وكشخصيته المتأملة ومن وراءه خلفية موسيقية لمحمد عبد الوهاب وهو يصدح بغناءه "كل ده كان ليه"!
مو يقطع الصمت الرهيب والسكون: أشعر بأني أنتمي لمثل هذا النوع من الموسيقى والأدب والفن من الطراز العربي!
صديقه ستيف: حقاً! ولماذا بالذات هذه النوع من موسيقى وثقافه العرب؟
مو: لا يوجد لدي أسباب بحد ذاتها ولكنه مجرد شعور وأنا أشعر بأني أحب ثقافتهم بل إنني أعشقها ولكني ناقم عليهم في الوقت نفسه، لا أدري لماذا! هل لأنهم أهملوا ثقافتهم وتراثهم التي تسابقت عليها بقية الشعب والأمم وسلبتها منهم ولم يطوروا من علومهم وحضارتهم، أم لأنهم حمقى بما يكفي حتى يخضعوا لعقود طويلة من الزمن تحت حكام ديكتاتوريين وصدقوا كل وعودهم لهم بأن يعيشوا بسلام، ولم يتعلموا من الفتن التي جعلتهم يتقاتلون مع بعضهم دون أسباب واضحة؟! 
صديقه: من وجهة نظري جميعها أسباب كافيه تفقدني أنا شخصياً بالإهتمام بحضارتهم!
مو: هل تعلم ما معنى اسمي؟ معنى اسم مو؟ أو حتى ماهو مصدره ومن أين أتى؟
صديقه: لاأعلم، من أين؟
مو: محمد هو اسم رسول العرب، لا أعلم لمَ والدتي أصرت و اختارت أن تدعوني بهذا الاسم على الرغم من وجود أسماء كثيره غيره! 
صديقه: ماذا عن والدك؟ أليس له أي دور في اختيار في اسمك؟ 
مو: هذا سر لا أعلمه ووالدتي ترفض تماماً الحديث في هذا الموضوع وكل ما تخبرني عنه أن والدي أناني آثر نفسه علي أنا ووالدتي وأختار أن يرحل عنها عندما كانت حامل بي وتركها للزمن وتخلى وقتها عن تحمل أي مسئوليه ناحيتها هي وجنينها ولذلك هو بالنسبة لها ميت وشيء لا يستحق الذكر ولا تريد الحديث عنه وماضي طوت صفحته منذ أمد بعيد! (يصمت وكأنه بصمته لا يود أن يتذكر جرحاً كان قد اندمل ويعيد فتحه) وكلما سألتها عنه ترد علي:"ماذا تكتسب من معرفة شخص لم يساهم بأي شيء في حياتك! وحتى ولادتك لم يشهدها وكنت بالنسبة له وصمة عار في حياته وأراد أن يتخلص منك سريعاً، كغلطة لم يعرف السبيل لتصحيحها إلا بالرحيل!"
صديقه (كان ينظر مو ويتأمل شدة ووطأة الموقف عليه) ثم بعد تردد سأله: هل يعني هذا أن والدتك لم تكن متزوجه أبيك عندما أنجبتك؟
مو: لا ليس على ما أذكر ولم تتكلم بالتفاصيل كثيراً، لطالما تجاهلت أمي المشاعر السلبيه وركزت على المستقبل وشغلت وقتها بالعمل لتتكفل بتربيتي، وآثرت ذلك على الوقوف في أطلال الماضي، خاصة وأنها كانت أم عزباء وتحملت مسئوليتي وحدها!
ساد بعد الحوار صمت رهيب وهم يرزحأن تحت شدة الموقف فلا مو يريد التحدث أكثر عن ماضيه الذي يؤلمه ولا صديقه يريد أن ينبش أكثر في جرحه ويذكره بأنه مجرد لقيط ولكن مازال صوت محمد عبد الوهاب يصدح ويغني: 
كل ده كان ليه 
لمَا شفت عنيه 
حن قلبي اليه 
وانشغلت عليه 
كل ده كان ليه كان ليه 
قال لي كم كلمة يشبهوا النسمة في ليالي الصيف 
سابني وفقلبي شوق بيلعب بي وفي خيالي طيف 
غاب عني بقى له يومين ما اعرفش وحشني ليه 
احترت اشوفه فين وإن شفته أقول له ايه
"كل ده كان ليه!"

(4)
هبطت الطائرة التي تقل سليمان لتوها على أحد مدرجات مطار ميامي الدولي، وكانت أضواء مدينة ميامي تتلألأ ليلاً فرحاً لاستقباله وحماساً لقدومه وتود أن تعلن له وعلى استحياء أنها تخبيء الكثر من المفاجأت التي قد تكون سارة أو غير متوقعه، وفي طريقه من المطار إلى الفندق وعند وصوله إلى وسط المدينه شعر أن الوقت مازال مبكراً وكان يملك بعض الطاقه على الرغم من رحلته الطويله ليتجول بالسيارة ويذهب إلى أهم معالم مدينة ميامي إلى الشاطيء الجنوبي، سأل قائد سيارة التاكسي أن يذهب به إلى شارع الأوشن درايف الذي كان يسمع الكثير عنه من أصدقائه الشباب وخلال مواقع الأنترنت، تخطفت الأضواء انتباه سليمان وهو يتأمل المدينة الأكثر إثارة وإغراء في أمريكا كلها ولم تطرف عينية وقد تشدق فاهه وكأنه بذلك لا يريد أن يفوته أي منظر، فالطراز الذي كان على هيأت الأرت ديكو بأنواره ذات الألوان الزرقاء والحمراء والبنفسجية والشوارع المزدحمة الضيقة وأشجار النخيل الباسقة التي تزين أرصفة الشوارع وإضاءات النوادي الليلية ذات الأسهم الكبيرة التي تريد جذب السياح لدخولها وقضاء أجمل سهرات العمر والنساء المرتديات أجمل أثوابهن وتظهر بالقصد مفاتهن يرافقهم الرجال الذين يرتصون في صفوف ليؤذن لهم بالدخول بالنوادي الليلية وآخرون يتجولن وسط المدينه ويقفن عند الإشارات ليقطعون الشوارع، والنادلات الذين يطوفون بزلاجات يرتدونها بأقدامهن ليقدمن الأكلات البحرية بحجمها الضخم وشكلها الشهي ومعها المشروبات الكحولية لأكبر عدد من زبائنهن، كان سليمان يحاول أن يغض بصره ولكن فضوله يمنعه من ذلك ويغويه وظل يتمتم طوال الوقت بقوله: استغفر الله! 
وصل سائق التاكسي إلى فندق سليمان الذي يقع بالقرب من جامعة ميامي وكأنه تفاجأ لأنه وصل سريعاً وتمنى لو طال به المشوار قليلاً ليشبع عينيه من مشاهدة مناظر أكثر من تلك التي شاهدها، ولكنه دلف إلى غرفة الفندق سريعاً لأن التعب أعياه من طول الرحلة ووعد نفسه أن غداً سوف يكمل الجولة السياحية وتذكر أن سيعيش في هذه المدينة حتى يسأم هذه المناظره تصبح من المبتذلات بالنسبة له !
وما أن دخل غرفته حتى رمى بثقله على السرير من شدة التعب، ورن هاتفه الجوال ويتناوله بصعوبة ويجيب عليه..
صديق سليمان: ها بشرنا، إن شاء الله وصلت بالسلامة؟
 سليمان: الحمدلله توني داخل غرفتي كأنك حاس فيني!
صديقه: الحمدلله على السلامه .. كيف الرحلة كانت؟ 
سليمان: والله متعبه وخاصة التفتيش بهذلولنا ليتني سامعن كلامك وحلقت اللحية ولبست بنطلون وأنا لابسن الثوب حتى أنه ما ريحني في الطياره  .. 
صديقه: قايل لك يا أبو داوود لكن أنت مصر .. طبعك عنيد 
سليمان: ما عليه نتعلم .. كل دقه بتعلومة
صديقته: إن شاء الله أكيد نتعلم .. والحمدلله على السلامه .. أكيد أنت تعبان الحين وتبي ترتاح 
سليمان: اي والله بنام ومشكور على اتصالك.. 
صديقه: العفو، فمان الله وتصبح على خير بتوقيتكم وتمسى على خير بتوقيتنا!
سليمان: وأنت من أهله فمان الله!
وما أن أغلق سماعة الهاتف حتى أغلق عيناه معها وراح في نوم عميق بعد أن أعياه التعب وليشحن نفسه استعداداً لأيام طويله مقبله تنتظره وهو متلهف لها! 

(5)
في إحدى هذه الكليبات الليلية التي كان يتأملها سليمان وهو في طريقه من المطار إلى الفندق كان مشاري وهو يجلس بطاولة يحجزها ومحيط نفسه بمجموعة من الفتيات الأجنبيات اللاتي يدرسن معه بالمعهد، ويبدو أن يحاول إكرامهن ما أستطاع ويظهر بمظهر المهايطي الكبير!
مشاري: لا تشيلون هم حبيباتي أنا بدفع لكم الحساب .. 
I will pay for you! 
تعلو صوت ضحكات سخريه منهن لخرفنته اللامعهودة، والذي تهيأ له وخيل إليه أنها ضحكات يتشاركونها معه ليتوددون إليه أكثر! 
صوت الموسيقى يزداد .. 
I am sexy and I know it 
يسحب إحدى الفتيات من يدها ليحاول أن يراقصها وكان يحاول بكل جهد وهو يترنح من آثار الشرب أن يضبط خطواته مع صوت الموسيقى، لكن يبدو أنه لا يوجد هناك أي وزن أو قافيه، فبدت حركاته خبط عشواء وهو يحاول بكل قوة أن يتقمص دور الفتى الأجنبي الكول وهو حتى من تراقصه يعجز عن مجاراتها، مثل الغراب الذي ذكر في قصص كليلة ودمنة الذي حاول تقليد مشية طائر الحجل فلم يفلح في ذلك ونسي مشيته الأولى والأصلية فأصبح شاذاً وناسياً لأصله وعاجزاً عن تقليد غيره!

(6)
ليلة من إحدى الليالي التي باتت معتادة للجين بعدما فرغت من معهد اللغة وضمنت كرسياً في الجامعه للفصل الدراسي القادم، فقد كانت تجلس جهازها المحمول تقلب بين حسابات الأشخاص في تويتير وهي تحاول الاجابه على الهشتاقات الأكثر تداولاً..
#المرأة_المطلقه_بضاعة_مستعملة الرسول الكريم الذي تدعون كذباً أنكم من أتباعه جميع زوجاته ثيبات عدا عائشة رضي الله عنها. فهل هن مستعملات؟
#لرفع_وعي_المرأة إياكي أن تستمعي لمن يقلل من تأثيرك بالحياة أنتي نصف المجتمع, شخص كامل الحقوق والأهلية وإن لم تنتزعي حقوقك ضاعت!
#حل_العنوسه_هو_التعدد_فهل_ترضينه المشكله مو في نقص عدد الذكور وأشباه الرجال ولكن في شح عدد الرجال!
#المرأة_في_مجتمعي تعاني من الوصاية على فكرها وهمها ومستقبلها وانعدام الثقة في خياراتها, أعطوها فرصة ثم حاسبوها. 
#بس_في_السعودية عادي تتزوج وهي ما كملت الـ18 سنه لكن صعب تسافر بعثه لأنها ما تقدر تتحمل المسئوليه!
#ضد_قيادة_المرأة العالم وصلت المريخ ونحن مازلنا نجادل في موضوع مبتذل وحق يعتبر من المسلمات وبديهي في كل دول العالم!
#ماهي_معاناتك_كامرأة_سعودية كوني امرأة سعودية فهي أكبر معاناة 
وقطع عليها انشغالها والاندماج بالمشاركة في الهاشتاقات التي تصيب بالإحباط واليأس أكثر من أنها تريح النفس وتبعث على الهدوء صوت رنين هاتفها، فالتفت فإذا به.. 
"أحمد يتصل بك !" 
لجين بصوت يملئه فرح وحبور وسعادة وسرور: أهلاً أهلاً، كنت بحاول أتصل عليك من اليوم عشان عندي لك مفاجأه حلوه مره، حزر ايش؟
أحمد: جايه السعوديه عشان أنا مره وحشتك!
لجين (تضحك): هاهاها مرره تضحك، للأسف مو راجعة وللأسف أكثر إنك وحشتني!
أحمد: طيب وأنتي وحشتيني أكثر شيء بالحياة، ليش جالسة هناك تعالي هنا! 
لجين (تتجاهل توسلاته للعودة وتغير الموضوع): بس خليني أقولك المفاجأه طيب لا تخربها! 
أحمد: ايش هي؟! شوقتيني أعرفها 
لجين: حمدلله جاني قبول نهائي بالجامعه وراح ابدأ الترم الجاي في شهر أغسطس.. 
أحمد: يعني مو راجعه السعودية؟
لجين: يا الله يا أحمد حتى مو هاين عليك تقولي كلمة مبروك! 
أحمد: أوه حبيبتي.. مبروك عقبال التخرج وعقبال ما نتزوج يارب..
لجين: الكلمة طلعت بايخه لأنها جات متأخره وبعد ما طلبتك تقولها .. 
أحمد: آسف لجين .. بس توقعت المفاجأه أحلى .. توقعت رجوعك؟
لجين: أنا ما خلصت حتى 4 شهور من يوم ماجيت ميامي، وليش أرجع وأنا ما سويت شيء! وبعدين ايش الأنانيه اللي فيك؟ ما تكون المفاجأة حلوة إلا إذا كانت فيه شيء لك وتعنيك وكنت طرف بالموضوع! ما تقدر حتى تفرح لي لو كانت المفاجأة شيء يخصني؟!
أحمد (لا يعلق على كلام لجين التي استمرت منفعله ومحبطه من ردة فعله) ثم ترد لجين: شكراً يا أحمد على إنك نكدت علي فرحتي، واضح أنك تعني كل الكلام اللي قلته في أنك راح تدعمني! (وأغلقت الهاتف ولم تنتظر جواباً منه) 

تابعونا القصة كل يوم إثنين 
تويتر @eman_osaimi

Monday, August 29, 2016

الفصل الثالث - غربة مشاعر

قبل قراءة الفصل الجديد ينصح بقراءة الفصول السابقة للقصة .. الروابط هنا:

الفصل الأول - قرار الرحيل
تكملة الفصل الأول - قرار الرحيل!
الفصل الثاني - يوم جديد

الفصل الثالث
(1)
في مدينة سليمان الصغيرة والذي غلب عليها الهدوء حين أسدل الليل ستاره، كان سليمان يتسامر مع والدته في صالون منزله ويريد أن يتغانم أيامه القليلة مع أمه قبل سفره والذي قد يستمر لشهور طويلة دون أن يلتقيها ويراها مرة أخرى، وبينما كانت يتجاذب أطراف الحديث مع والدته جاءت أخته بثلاجة القهوة وصحن من التمر وبدا أنها عمرها لم يتجاوز ال 16 سنه وكانت ترتدي ثوب طويل تتعثر في ثنياه وكانت ضئيلة الهيئة خجولة الملامح وهي تضع خصلات من شعرها المنساب خلف أذنيها وعندما جلست غطت بأطراف ثوبها قدميها وجلست بالقرب من والدتها وأخذت الفنجان لتصب بعض القهوه وتناوله إلى والدتها.
الأم بنبرة معاتبه: ناولي أخوك أول هو رجال البيت!
سليمان: ما شاء الله على أختي بدرية الذربه تسوي القهوه وتصب الفنجان مثل الحريم السنعات، خلاص يمه لازم نزوجها!
تضحك بدريه بصوت خافت وهي تدس وجهها بين يديها على استحياء مبالغ!
الأم: لا ما أبيها تتزوج، توها صغيرة وما خلصت مدرستها وهي الجعدة أبيها عندي حبيبة قلب أمها 
سليمان: شدعوه يمه ؟! وأنا وين رحت؟! وبعدين المرة مصيرها بيت رجلها وتحتاج الستر 
الأم: يا وليدي ما يكفي وش صار لنوير أختها! طاحت برجال ماهو سنع، المرة تحتاج رجل يعاونها على الدنيا، مو أجيك عون تطلع لي فرعون !!
سليمان: وش فيها نوير؟ ما عندها غير دلع بنات وتقعد تشكى عندك يمه  وأنتي مشكلتك تسمعين لها! 
الأم (بنبرة حزن): لا يا وليدي مو تدلع، هذا يوم أنه مانعها تجي تزور أميمتها بعد عيد رمضان، والحين خلصت شهرين ما شفتها ولا شفت عيالها وبيتها حذفة حصاة وقريب من هنا وشهو هالرجال يمنع الحرمه تزور أهلها؟! وأنا كبدي بتنقطع عليها وعلى عييلها! 
سليمان: تلقى الرجال مشغول يمه مو فاضي لمشاوير الحريم، والمرة ما لها غير تلزم بيت زوجها وتطيعه، حتى وإن كانت على التنور وناداها تلبيه! وهذا شرع الله. 
الأم: بس يراعي حق الله فيها مابيه يعاملها أزود، (تصمت الأم ويبدو أن ابنتها بدرية تأثرت بكلام والدتها وكادت الدمعه تفر من عينيها) وأنت يا سليمان تدخلت في نوير وشف وش صاير لها، مالك درب على أختها بدريه ورأسي يشم الهوا! 
سليمان: أفا يمه وأنا أحسب نفسي رجال البيت بعد ما توفى أبوي الله يرحمه وأبي الستر لخواتي 
الأم: استر نفسك بالأول وتزوج قبل لا تروح لديرة اليهود وأنت مو محصن عمرك!
سليمان: يوووه يمه تكلمنا في الموضوع هذا ألف مليون مره، مو الحين لما أروح هناك استقر أتزوج، والدير ذيك ما تنفع عوائل بس شباب!
الأم: براحتك يا وليدي وأنا براحتي مع بناتي .. والله يسهل دربك ودربهن! 
وتلتقط الأم صينية القهوه من الأرض بعد أن استفزها سليمان بكلامه وعدم تفهمه وتتبعها ابنتها تاركة ولدها سليمان غارق في التفكير وغير متقبل فكرة أن أمه تمنعه من الوصايه على أخواته الإناث وما زال يرى أن يجب أن يكون وصي عليهن أو  يعين أحد الذكور زوجاً ووصياً عليها دون النظر إلى كفاءته,حتى وإن تعلم وأراد السفر والابتعاث ما وراء المحيطات وإلى بلدان ذو مساحات شاسعة إلا أن تفكيره لا يزال ضيق ومحدود، معتبراً  أن الدور الأول للمرأة أن تكون زوجة وتحتاج الستر!

(2)
كانت ليلة فرح انقضت سريعاً في أحد قاعات الأفراح المنتشرة بمدينة جدة، ولكنها كانت ليلة طويلة جداً بالنسبة إلى عبير التي ذهبت إلى الحفل على مضض مع والدتها وقد تفتر فاها وهو يسفر عن ابتسامات تنم عن مجاملة وتعبت من تعليقات الشفقه التي كانوا يلقونها عليها من حين لآخر بسبب تأخر الزواج عليها وأن القطار يكاد أن يفوتها ويتمطقون بعبارة عقبالك بنبرة ملؤها الحزن والأسى لحالها لأنها لم ترتبط بعد وتسجن في قفص الزواج. 
وما كادت تصدق أن وقت المجاملات انتهى وستعود من حفل الزفاف إلى بيتها وتعتزل داخل صومعتها ما هذا المجتمع الذي لا يؤمن بكيان كامل للمرأة من غير زواج ورجل! وفي السيارة وفي طريق عودتها للمنزل حاولت والدة عبير أن تنهي جو الصمت المريب الذي ساد عليهن، وتكلمت:
ها يا حبيبتي إن شاء الله استانستي ووسعتي صدرك .. (تسكت الأم قليلاً وكأنها تنتظر جواب من ابنتها، ولكن ما من مجيب ثم تستأنف حديثها) والله عروسهم تهبل ماشاء الله فستانها حلو ومكياجها يجنن فاكرتها بنت ساميه ما كانت حلوه كذا والله أكيد تستخدم كريمات تفتيح البشره .. والحبوب اللي تغذي البشرة والشعر (تسكت الأم) والله يا بنتي إني أشوفك أجمل منها بمليون مرة، ولكن الله يرزقك بابن الحلال (أرادت بجملتها الأخيرة أن ترفع من معنويات ابنتها الذي شعرت بها منخفضه ومتدنية).
عبير ترد وكأنها تريد أن تغيض والدتها: القرد بعين أمه غزال!
الأم: لا مو كذا القصد يا بنتي، اللي أقصده إنك لازم تهتمين بنفسك عشان يجون الناس يشوفونك ويخطبونك!
عبير (بنبرة عصبيه): يعني أنا استعرض لهم وهم إذا عجبتهم البضاعة يجون يشترون، هذا قصدك! 
الأم (معصبه): الظاهر أنتي الكلام ما ينفع معاكي! كأني أنفخ في قربة مفقوعة، أنتم ما تفهمون النصيحه (تحاول أن تهدأ الأم قليلاً) يا بنتي أنا أبغى لك الستر، وأبغى أفرح فيكي وأشوف عيالك وعيال عيالك وأفرح فيهم كمان ومن حق كل أم تفرح في عيالها وبعدين أنتي بنتي الوحيدة. 
عبير (بحزن): طيب إذا أنتي يا أمي من حقك تفرحين فيني، أنا من حقي ايش؟! مو من حقي أعيش الحياة اللي أنا أبغاها، ومن حقي أدرس برا إذا أبغى، ومن حقي أصير حرة وأختار اللي أبغاه!
الأم (بنبرة حزم): ما في دراسه برا من دون زواج!  
قالت الأم عبارتها الأخيره وكأنه قرار لا رجعة فيه!
وبعدها يسود الصمت في السياره والجو يكون مشحون بالتوتر.. 
تعود عبير من ليلة الفرح تلك التي كانت بالنسبة لها هي ليلة حزن، تغلق باب غرفتها خلفها وتجلس أمام المرآة وتتأمل وجهها المليء بالمكياج والذي حاولت وبشكل مثير للشفقه أن تجذب انتباه أمهات العرسان أصحاب رأس المال وترجو أن تستعطف عليها بعرضها للزواج من ابنها أو قريبها، تمتليء عينيها بالدموع التي بدت محتبسه خلف الظلال الكثيفه والكحل الأسود والتي ما كادت أن تشهق حتى انهمرت دموعها بغزارة وساح كحلها راسماً خط أسود على امتداد خديها، راحت عبير بعدها تبكي بحرقه!
تبكي شهادتها التي اجتهدت كثيراً من أجل أن تحصد ثمار علمها، فلم تهنأ بنومة ولم تجد طعم الراحة وسهرت الليالي تطلب العُلا، ولكن أي عُلا وثمار ترتجي  وهي لا تجد الوظيفه التي تليق بطموحها ولا حتى تكاد تحلم ببعثة لتستقي من نهر العلم الذي لا ينضب، فأهلها يمنعونها حتى من السفر وحدها حتى تأتي بالعريس الوصي القائم على أمورها والتي تعتبر أنها إنسانة ناقصة بدونه وحياتها لا ولن تكتمل وأحلامها ممكنة معه ومستحيلة بدونه .. 
تبكي طموحها الذي كان عالياً يلامس النجوم ليهبط لقاع الأرض ..
تبكي روتينها الرتيب الممل فقد أصبح لا شيء هنا غير السهر ليلاً والنوم نهاراً ومشاهدة الأفلام الأجنبية والمسلسلات التركية التي تستطيل حلقاتها أياماً وشهوراً فهذا ما تحتاجه أن تضييع مزيداً من الوقت! الوقت الذي أصبح بلا قيمة! وقد كان في زمنها السحيق هو بقيمة حياتها وكانت تحسب للساعة وللدقيقه ألف حساب حتى تقرأ وتفهم وتدرس وتستذكر وتدون ملاحظاتها!
تبكي حضورها لحفلات زفاف وليالي أعراس بات طعم الفرح فيها باهت، فقد تذهب هناك وتشعر بأنها بضاعه تعرض نفسها لأمهات أزواج المستقبل والذين لا يتقدمون بطلب يدها بناءاً على رقة طبعها ودماثة أخلاقها ولكنه بناءاً على جمال ملامح وجهها ولون بشرتها، ولطالما حال لونها الأسمر على الارتباط سريعاً من أحدهم، وهذا طبيعي في مجتمع تزخر تقاليده بملاحقة القشور والمظاهر وعدم التنقيب عن اللب والجوهر ولا تُختار الزوجة فيه وتقيّم على أساس أخلاقها وعلمها وذكاؤها بل على جمالها درجة ولون بشرتها الفاتح، فكلما كان لونها فاتح تناسب ذلك طردياً مع فرص الخطاب الذين سيطرقون بابها ويتهافتون لطلب يدها!
تبكي على كونها أنثى في مجتمع بطريركي ذكوري بحت حكم عليها أن لا حياة لها من دون ذكر، وهو الذي تسلط واستبد واغتصب كل حقوقها وسلب منها كل سبل الحياة الكريمة الطبيعة لتقف هي عاجزة أمامه لا حيلة لها إلا أن تكون في أشد الحاجة إليه ..
وحتى لو أرادت الإرتباط كيف يكون السبيل؟ وكيف يلومها مجتمع على كونها عزباء ولا يعطونها الأدوات اللازمة لتصحيح وضعها، فما عليها سوى الإنتظار والإنتظار ثم الإنتظار عسى أن يتعطف أحدهم ويطرق بابها! 
تبكي بحرقه وصوتها يتهدج وهي تحاول أن تسعف نفسها بكلمة "يارب" "يارب زوجني".. وكأنها بتلك الدعوة رضخت وستقبل بأول عريس يطرق بابها، تلك الدعوة التي كانت بمثابة القشه التي تتعلق بها وهي غارقه في بحر من الأحزان!

(3)
في أحد ردهات المعهد كانت لجين تجلس على إحدى المقاعد وتقلب في هاتفها المحمول، وفجأة تظهر لها رسالة من أحمد فتفتحها لتقرأ نصها "لجين أرجوك أنا آسف .. أعطيني فرصة أكلمك .. بس نتفاهم" وبينما كانت تفكر بعمق عن العدول عن قراراها و الرجوع إلى أحمد ومنحه فرصة أخرى، خاصة وأنها تشعر بالحنين إليه، والوحدة والبعد عن الأهل يشكلان عامل ضغط عليها في غربتها. وعلى حين غرة سمعت صوت أحدهم يناديها باسمها ليقطع عليها حبل أفكارها، فالتفتت إليه وإذا هو مشاري الذي رأها تجلس في آخر الردهه فهتف بحماس: 
لجين يا هلا والله بالجداوية رفيقة الكفاح والسفر!
ترد لجين وهي مفزوعة: بسم الله فجعتني! أحد ينادي كده! وبعدين سافرنا في رحلة وحده وبالصدفه خلاص أصير رفيقة السفر؟!
مشاري: والله آسف ما أقصد، بس اللي ماخذ عقلك! المهم بشرينا عنك كيفك؟ كيف المعهد معك؟ ان شاء الله مستانسه! 
لجين: حمدلله أيام تمر بسرعه وأيام أحس إنها تمشي بشويش، وأنا أبغى أروح الجامعه عشان أبدأ دراسة، مو متحمسة للمعهد أكثر من حماسي للدراسة في الجامعة!
مشاري بنبرة تميلح: ما شاء الله عليك تبدأين دراسه، يعني طفشتي مننا! يلا معليه الله يرزقك القبول وإيانا، ما قلت لي أنتي بأي مستوى بالمعهد؟!
لجين: بالسادس (وبدت كلماتها مقتبضه ومختصرة)
مشاري: ما شاء الله يعني المستوى الأخير وتخلصين من المعهد أنا حطوني بالمستوى الأول .. قلت يعني عشان أتأسس صح وابدأ من البداية .. 
لجين في عقلها (لا والله عشان تضيع وقتك .. وتتسلتح): بالتوفيق إن شاء الله أنا لازم أمشي، عندي شغله بسويها عن إذنك!
مشاري: دايم عندك شغلات وبتسوينهم ومستعجلة خفي علينا يا كونداليزا رايس أنتي، بس بسألك الحين كيف ما شاء الله حطوكي المستوى الأخير يعني انجليزيتك كويسه؟
لجين: ايوا الحمدلله، كنا نسافر كثير وكنت أروح دورات أتعلم فيهم انجليزي. 
مشاري: ما شاء الله كويس طيب، امممم ايش ناوية تتخصين في الجامعه؟
لجين: والله ودي أتخصص في الإعلام والعلاقات العامة لأني أحب الناس ومجال جديد في السعودية ومحتاجينه، وممكن أخذ كم كلاس بالمسرح لأني شغوفه فيه ومره أحبه بس للأسف بالسعوديه ما عندنا مسارح!
مشاري: ما شاء الله مسرح مره وحده يعني بتصيرين ممثلة، والله وحدة حلوة مثلك لايق عليها، بس ما أدري الملحقيه بيوافقون لك؟ أكيد عندك واسطات!
لجين (بدت منزعجة من أسلوب مشاري وحاولت أن تفحمه بقولها): لا والله إذا تعرف أحد خليه يتوسط لنا!
مشاري: علينا الحركات هذي (ويغمز بعيونه) علينا! تقولين لبابا يتوسط لك 
لجين: لا أبداً أصلاً بابا ما يعترف بالواسطات، والموضوع كلاس أو كلاسين عن المسرح مو معناته لازم واسطه ممكن أستعين بأهلي..
مشاري: خلاص والله صدقتك محد متوسط لك، والله يخلي لك البابا والماما!
لجين وكأنها أحست بنبرة السخرية في صوت مشاري قالت: طيب أنا لازم أمشي عن إذنك!
مشاري باستظراف: طيب خلينا نشوفك، وخشمك معك!
تبتعد لجين عن مشاري الذي كان ينظر لها معجباً بجرأتها، وتتجاهله تماماً وتفتح جوالها وتقرأ رسالة أحمد التي يبدو وكأنها تقرأها للمرة الأولى، ولكن هذه المرة تشهر أن الحنين يفيض بها وتريد أن تصدقه وتريد أن تمنحه فرصة أخرى بل كانت هناك رغبه متزايدة لسماع صوته،لأنها باختصار اشتاقت إليه!
(4)
كانت الساعه تشير إلى الثانية عشر ظهراً والشمس تتوسط كبد السماء إيذاناً بموعد إلقاء مو لمحاضرته، وهو في الحرم الجامعي بجامعة ميامي وفي طريقه متجهاً لقاعة محاضراته لمح امرأة مسلمة ترتدي النقاب وعباءة سوداء وقفازين ولم يظهر منها إلا عينيها فرمقها بنظرات استهجان ولم يكن مقتنعاً بما رأى وثارت بداخله مشاعر شفقه ناحيتها لأنها كانت ترتدي كل هذه الملابس الثقيله في مثل هذا الوقت من السنة وفي هذا الجو الحارق وتحت لهيب الشمس الساخنه والرطوبه التي لا تطاق، وكان يتساءل ما إذا كانت مختارة أم مكرهة ومجبرة على تقبل هذا اللباس، وأي دين يفرض على النساء لباس كهذا يراد به محو وجهوهن وطمس هويتهن وتقييدهن. 
يصل مو لقاعة محاضرته ليجد طلابه يشغلون المقاعد وهم بانتظاره
مو: مساء الخير جميعاً، كيف كانت عطلة نهاية الأسبوع؟ أتمنى أن الجميع استمتع بقضاءها!
أحد الطلبه: لقد كانت جيدة وسريعة وباغتنا يوم الاثنين فجأة كعادته! ولم نكن نخطط لذلك.
مو (يضحك): لا عليك يوم اثنين سعيد، وتذكر أن الأشياء التي لا ننتظرها تأتي إلينا أسرع من الأشياء التي انتظرناها، إن ذلك أحد قوانين مورفي (يقولها وهو يبتسم ثم يستأنف حديثه)  اليوم سنتكلم قليلاً عن الشرق الأوسط وعن شيء يميز حضارتهم وثقافتهم، ولكني أريد أن أسمع انطباعاتكم أولاً، قولوا ما الذي تتوقعونه يميز حضارتهم عن سائر الحضارات؟
أحد الطالب: طعامهم جداً لذيذ أنا أحب الكباب والفلافل مع الحمص!
مو يعلق على الطالب: يبدو أنك من رواد المطاعم العربيه (ويشير على كرشه) فهذه لم تأتي من فراغ!
يضحك بقية التلاميذ على تعليق أستاذهم مو ..  
طالب آخر: أحب موسيقاهم والرقص الشرقي، ولكني لا أستطيع الوثوق بهم فعندما أشاهد الإعلام وأخبار الشرق الأوسط أدرك كم هم إرهابيين وأرى مدى كرههم لنا واضح في أعينهم وأخشى أن يقوموا بتفجيرنا في أي لحظه!
طالب ثالث: سأقول أن منطقة الشرق الأوسط لديها تاريخ عريق وحضارة تمتد لآلاف السنين من عصر الفراعنه وبابل إلى الحضارة الإسلامية، وبعض مدنهم تمتاز بأنها مقدسه كمكة والمدينة والقدس، ولكن بعض جماعات المسلمين وحتى البلدان الإسامية أحياناً تكون متطرفه في تعاملهم مع هذه المبادئ وبالذات ما يتعلق بالمرأة وقد سمعت أن إحدى البلدان الإسلامية لا تسمح للمرأة بقيادة السيارة؟!
مو: إجابه جيده وهذا في الواقع ما كنت أبحث عنه,، أنا أقول رأي شخصي وليس بالضرورة أن يكون صحيح، فاليوم على سبيل الصدفه التقيت بامرأة مغطاة بالكامل من رأسها حتى أخمص قدميها ولم أرى فيها غير عينيها،  فمسألة النقاب أرى أنها مسألة مبالغ فيها، فتسألت بيني وبين نفسي أي دين هذا الذي يجعل المرأة من دون ملامح و بالتالي من دون هوية، وكانوا دائماً يتذرعون بأسباب هي باعتقادي واهية أن تتحجب بالطريقة هذه حتى لا تتعرض للتحرش وتحفظ نفسها من الذئاب البشرية، ولكن هناك احصائيات تدل على أن أعلى نسبة للتحرشات الجنسيه ضد المرأة تحدث في بلدان إسلامية منها أفغانستان ومصر، وبرأيي أن المرأة ضحية، يتهمونها بإفسادهم وإثارة غرائزهم وبذلك تكون تلعب دور الجاني وهي للأسف المجني عليه، ليس عليهم أن يحجبوها ويلغوها تماماً ولكن عليهم أن يحترموها ككائن بشري وليس أن ينظروا لها كجسد ومصدر متعة بل إلى روحها كإنسان، أنا أتفق تماماً أن يكون لها حق الإختيار بأن تتحجب أو لا تلبس الحجاب ولكني ضد أن تجبر عليه وهذا لن أرضاه .. معظم القرارات التعسفيه في حق المرأة تقع نتيجة منعها من الحلال كي لا يقع الرجل في الحرام!
وهنا رفع طالب يده ليستأذن مو لإتاحة الفرصه له للكلام وبدا أن لديه شيء مهم ليقوله وما كاد مو ليأذن له حتى اندفع بالكلام:  يا سيد مو سوف أتكلم من منطلق أنني أمريكي من أصل عربي وأنا وعائلتي مسلمون، هناك يا أستاذي لبس خطير بين هذا الدين وعادات وتقاليد شعوب عربية، هذا الدين مثالي ولكن بعض المسلمون ليسوا مثاليين, إن هذا الدين مثل أداة فلنقل مثل القلم، قالقلم أداة مفيدة جداً للكتابة ولتبادل المعرفة والعلم، ولكن بواسطته أيضاً نستطيع أن نكتب أشياء بلا قيمة أو أكاذيب قد تهدم مفاهيم وتبطل عقول.. وبالنسبة لموضوع المرأة العربية والمسلمة ومسألة إرتدائها للنقاب، من رأيي أن هناك عادات وتقاليد شعب تحكمها أكثر من الدين، فالحجاب على سبيل المثال لا الحصر كان سكان الجزيرة العربية  وحتى بعض القبائل التي سكنوا الصحراء الكبرى أن نساؤهم ورجالهم كانوا يغطون روؤسهم ويرتدون اللثام على حد سواء كي يحمون أنفسهم من أن تدخل ذرات الرمال إلى أعينهم  وأنوفهم وحلوقهم أثناء هبوب الرياح، ولكني لا أنكر أن الحجاب ذكر في كتابنا المقدس القرآن وواجب الستر على كل امرأة خوفاً من الفتنة! ولكني أنكر النقاب خصوصاً في بلد كأمريكا وأوروبا ويعرض المرأة لجريمة كراهية وهي بذلك تلفت الانتباه أكثر والغرض من الحجاب أن تحتجب عن الانتباه وحتى لو كشفت رأسها هنا بميامي لا تثير بذلك أي فتنة لأن هذا الدارج والمتعارف عليه. 
مو كان يستمع إليه بكل إهتمام وعلق على كلامه: جيد لقد أثريتنا بمعلوماتك وأنرت عقولنا عن أشياء كنا نغفل عنها أو أصابنا سوء فهم فيها، شكراً لك يا يوسف!
نعود لموضوعنا لموضوع المرأة التي طالب كثيرون بحقوقها وكثيرون آخرون حاولوا بشتى الوسائل تهميشها، ولم يكن ذلك في مجتمع واحد بعينه ولكن بالمجتمعات كافة وحتى الغربية منها, وعلى مدى العصور والأزمان.. 
أريد أن أحكي لكم عن أسطورة قديمة .. وكل ما عليكم فعله هو تحليلها ومعالجتها إلى نصوص دراميه تستطيعون تمثيلها على المسرح وتقسمون أنفسكم إلى مجموعات لعمل ذلك 
الأسطورة تقول: يحكى أن هناك قرية قاموا سكانها بتهميش نصف سكانها تهميشاً تاماً لا لشيء إلا إلى أن لون شعرهم يميل إلى اللون الأخضر منذ لحظة ولادتهم، وفي ليلة من الليالي لم يكن بها ضوء قمر خرج على أهل القرية مارد شرير تشع من عينية شرار نتيجة غضبه من تعصب أهل القرية اللامبرر ومعه خطاب طويل عريض كان يود أن يقرأ على حاكم هذه المدينة الظالم أهلها والذي عزلوا نص السكان ظلماً وعدواناً وبهتاناً, ولكن الخطاب لك يكن في واقع الأمر إلا تعاويذ ألقاها المارد على أهل القرية ليصابوا بلعنة، فتبطل نصف وظائفهم التي يقومون بها لأنهم ظلموا نصف سكان القرية الأخضر شعرهم، فعلى سبيل المثيل يستطيع الحطاب أن يقطع الأشجار ولكن يعجز عن جمع الحطب، يستطيع الصياد رمي شباكه ولكنه يعجز عن رفعها، يستطيع الطبيب أن يفحص مريضه ولكنه يعجز عن أن يكتب له العلاج، يستطيع الفارس أن يمتطي خيله ولكنه يعجز عن قيادته... حتى صاح حكيم بأهل القرية وقال لهم: أن لعنة حلت بكم ولن تستطيعوا إبطالها إلا إذا عملتوا على تفعيل نصف المجتمع من جديد، وتقدير دورهم والإقرار بمساواتهم لنا فهم لنا أخوان ينعمون معنا في السراء ويشاركونا همومنا في الضراء... كيف يحق لنا إبطال نصف المجتمع؟!... وعندما عملوا بنصيحة الحكيم بطل مفعول اللعنة وعاشوا بعدها بتناغم وسلام وتلاشت الإختلافات! 
 (5)
كانت لجين تجلس في شقتها ويبدو أن الملل أخذ منها مأخذه، وهي تقلب بين صفحات تويتر والفيس بوك لترى ما الذي يحدث هناك على أرض الوطن فأحياناً النظر من بعيد يجعل الصورة أوضح، لم تجد ما يثير أدنى إهتمام لديها فبعض المواضيع مكررة حتى ابتذلت أو أنها ملت الحديث عنها لأن الجدال حولها عقيم لا يثمر، أغلقت جهازها المحمول وأخذت تحدق مطولاً في السقف وبدأت الأفكار تأخذها بعيداً لتصل بها إلى جدة مدينتها حيث أحمد فتبتسم بإشتياق لبعض الذكريات الجميلة التي تبادرت إلى ذهنها وصنعوها معاً.
تذكرت أول لقاء جمعهما عندما التقيا مصادفة في شالهيات يملكونها والديهم تقع على شاطيء البحر الأحمر لم تصدق أن أسباب قدومهم إلى الشالية كانت واحدة فقد كانوا هاربين من الواقع المرير لامتحانات الثانوية العامة وحتى ينفكون من الضغوط التي تمارس من قبل أهاليهم وتحضهم على المذاكرة بإصرار وبشكل مزعج كطنين نحل يجعلهم ينفرون، أرادوا أن يروحوا عن أنفسهم نتيجة الضغط النفسي الذي يلقي بحمله عليهم وأختاروا الشالية ليتنفسوا فيه الصعداء، كان مرور أحمد مصادفة من لجين وهي تجلس على الشاطيء باستجمام وتستمع بهدوء وزرقة البحر فعلق: يا عيني على الناس الرايقه فضاوة تعرفي أن الناس امتحانات ثانوية عامة وأنت هنا ولا على بالك! ومن بعدها بدأت المشاحنات التي ولدت شرارة الحب بينهما وتولدت انفجارات بالمشاعر! فكانت وقتها تشعر بأنها لا تريد العودة إلى منزلهم ولا الهرب من مشاكساته التي بدت ممتعه ومراوغه. 
أخذت بيدها جهازها الجوال وهي تفكر أن تتصل بأحمد أو حتى أن تجيب على وابل رسائله وبشكل يومي يتوسلها أن تغفر له وتعود إليه، تستعرض جهات الإتصال وتختار اسمه ويبدو عليها التردد قبل أن تتصل به فيبدأ هاتفها  بالرنين ومع كل رنه يبدو التوتر جلياً وفي الأخير رد أحمد، وفي صوته يحاول أن ينفض النوم عنه ويبدو مندهشاً .. 
أحمد يرد وكأنه لم يتوقع: الو .. لجين؟!
لجين بدأ عليها التردد : السلام عليكم
أحمد وكأنه تلقى مفاجأة سعيدة: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. وحشتني يا لجين مرة! فينك؟! أرسلك وأتصل فيكي ما تردي والله قلقت عليكي!
لجين (بدا وكأنها بورطة وتريد أن تعالج الموضو بهدوء): تسلم، أنا آسفه انشغلت بحياتي الجديدة هنا! أنت كيف أمورك وكيف جده معاك؟
أحمد لم يستطع أن يكابد انهيار مشاعره: جدة مو حلوة من دونك! لجين أنا أحتاجك تكوني في حياتي، أحتاجك دحين أكثر من أي وقت في حياتي كلها، لما رحتي أمريكا حسيت بقيمتك وندمت على إن وداعنا كان سيء.. على الأقل مفروض أقلك "مع السلامة" بنفس مو أقلك إياها وأنا معصب!
لجين (تستمع بصمت وباهتمام بالغ)
أحمد (وهو يشعر أن كلماته تلامس قلبها): وحشتيني مرة، ما وحشتك؟
لجين تحاول أن تستجمع جميع الحوارات التي دارت في ذهنها قبل الاتصال بأحمد والتي توعدت نفسها فيها أن لا تستسلم للمشاعر مهما أغدق عليها من كلمات الحب والعتاب والشوق وأخيراً تكلمت:  أحمد أسامحك لكن على شرط، إنك تحترم طموحي وتساندني، وحتى لو كان هذا الشيء عكس خططك وتوقعاتك مني، حاول أنك تتفهم ظروفي عشان نطور من نفسنا لازم نغير طرق تفكيرنا وتوقعتنا من بعض، مو نستهزئ بطموحاتنا وأحلامنا!
أحمد: والله أنا أحترم طموحك وأكثر من هذا كله أنا أحبك .. 
لجين تبتسم بخجل ثم تحاول أن تكون نبرتها صارمة: ما يكفيني بس كلام يا أحم،, أنا بشوف أفعالك عشان أصدق وراح أعطيك فرصه ثانيه تثبت الكلام اللي تقوله .. 
أحمد: إن شاء الله راح أثبت لك وأثبت لك وأثبت لك، بس قولي أنتي تحبيني وما وحشتك يا دبه ولا كيف؟ 
لجين (تبتسم بخجل): إلا طبعاً ولا ما كلمتك! بس منغاضة منك..
ويستمر الكلام بينهم وكأن الهجران الذي استمر لأسابيع وحدث بينهم لم يكن، وانقشعت عنهم غمامة الحزن والقطيعه عنهم! وكان كلامهم يختزل بأصوات ضحكاتهم التي تعلو بين الحين والآخر كفواصل وحركات تجمل جملهم وكلماتهم وهم يتبادلون الأخبار بينهم بلهفة المحبين وحنين الصديق القديم الذي يطربك دوماً أن تستمع لكل أخباره وقصصه القديمه الجليلة منها والتافة، فأحمد كان يعرف تفاصيل حياة لجين، أين ذهبت ومن أين أتت وماذا تأكل ومن هي صديقتها المقربة وماذا تفضل وتحب وتكره وحتى اسم سائقهم، وقد شق عليه ألا تحدثه طيلة الفترة الفائتة وكان مستعد أن يقدم الكثير في مقابل أن تعود له كما كانت، ولجين كان يصعب عليها فراقه، وعند فقدانه شعرت بغربة مضاعفة، غربة بعدها عن الوطن وغربة اشتياقها لصوت أحمد والذي يحادثها بشكل يومي, فقد كانت تعرف ماذا يدور في رأس أحمد من أفكار قبل أن ينطق بها، وتشعر من وجهه ومن نبرة صوته ما إذا كان فرحاً أو متكدراً.. 
عادوا معاً وبكل انسجام وتناغم كانسياق نهر يشق طريقه في قرية صغيرة منقادين وراء مشاعرهم وما أجمل شعور عودة المياه إلى مجاريها، تيقنت لجين وقتها أن شعور الغربة الذي يجتاحها بين الحين والآخر هو غربة مشاعر وليست غربة وطن... أحمد الوطن الذي تسكنه!

** تكملة القصة يوم الإثنين القادم .. تابعونا 
تويتر 

@Eman_Osaimi