Monday, August 15, 2016

تكملة الفصل الأول - قرار الرحيل!

قبل قراءة الفصل الجديد ينصح بقراءة الفصل السابقة للقصة .. الرابط هنا: 

الفصل الأول - قرار الرحيل

(2)
في نفس الوقت ولكن بمكان آخر مختلف يبعد بمئات الكيلومترات عن جدة، في المنطقة الوسطى بالعاصمة الرياض خلف أسوار إحدى الاستراحات كان يجلس مجموعة من الشباب محاطين بشتى الوسائل المصنعه خصيصاً لقتل الوقت، فعند الأركان شواحن أجهزة الجوال التي تسمروا أمامها وهم لا يعطون أدنى درجات اهتمام ولا يلقون بالاً لمن حولهم وكأنهم مغيبين تماماً عن العالم الحقيقي وحاضرين كلياً في العالم الافتراضي، ويتوسط الغرفة تلفاز بشاشة مسطحه ضخمه موصول بجهاز البلاي ستيشن ويتنافس عنده شابين يحاولون يثيرون إعجاب أصدقائهم المحيطون بهم للفوز بدوري كرة قدم، وفي الركن القصي هناك اجتمع مجموعة شباب آخرون يلعبون البلوت بجانبهم إبريق من الشاي ويرتشوفون منه فناجيل صغيره ويتبادلون بينهم أطراف الحديث وتتجلل ضحكاتهم بين حين وآخر بسبب وبدون سبب واضح. 

كان مشاري رئيس الشلة يتوسط الجلسة الشبابية، مراهق وبدا أنه لم يتجاوز الثامنه عشر متوسط القامة ضخم الهيئة مقارنة بمجموعته، شعيرات ذقنه هائشه غير منتظمه وشعره على هيئة كدش كثيف ومتطاير و مشاكس كملامح وجهه، فحاجبيه عريضين يلتقيان عند منتصف جبهته وأنفه كبير يتوسط وجهه وشفتيه غليظتين وبدت نبرة صوته جهوري وعالي وهو يتحدث..  ومن هيئته وحديثه تعرف أنه أرعن مقبل على الحياة بشراهة متهور وغير مكترث!
مشاري: شباب اسمعوا هذه التغريدة شيء فلته صراحة، قوية يا شيخ، يقول فيها: "يجب فحص المبتعثين وذلك للحد من تعاطيهم الحشيش وشربهم الخمور قبل دخولهم لأراضي السعودية!"  
صديق مشاري : لا قويه قويه صراحه ماتوصل لهدرجة يعني بالطياره بتحشش وبتسكر وتروح تسلم على أهلك! والله ما أدري من وين يجيبون هالكلام الفارغ والقذف والعياذ بالله! اللي على طاري المبتعثين والسفر .. ها عبيت الشنط يا مشاري؟
مشاري (يسخر من صديقه): شرأيك يعني رحلتي باقي لها أقل من أسبوعين؟! طبعاً عبيت الشنط من السنه اللي فاتت ومره متحمس للسفره وللحياة هناك! نعيش يا عمي نعيش!
صديق مشاري: أخاف حماسك يروح فشنك من أول أسبوع هناك ومع أول سمستر يفنشونك!
مشاري (ممتعض من مزح صديقه): عيب عليك، كيف يفنشوني وأنا مشاري، وبعدين أنت شكلك حاسدني عشان راح أقابل المزز هناك، وأنت هنا تناحل بالسكيورتي وماعندك أحد!
صديق مشاري الآخر: كبيير يا جوووجووو ، وين الوجهه؟ أي ولايه؟
مشاري: ميامي يا حبيبي، ميامي! قراسيز، كومستس، بييينق (يتكلم أسباني) والمزز الهوسبنك والشواطيء والنايت كليب "الحياة الليلية"، وآه يا قلبي يا كتكت .. يا ما حتشوف وما تسكت!
صديقه الآخر: عجيب وتتكلم أسباني، طيب أنت رايح هناك انتبه تتعلم أسباني وتنسى الانجليزي!
صديق مشاري: يا حظك بنات ودعس و تشبيك هناك، ها؟
مشاري: لا يا شيخ مالي شغل في الكلام ذا، احنا خلينا نركز في الدراسة جايين عشان الدراسه زي ما مفروض ابتعثتنا دولتنا الحبيبه مو زي ما يفكروا بعض مشايخنا، نسأل الله لنا ولهم الهداية!
صديق مشاري الآخر:  خف علينا يا غلبان لو أنت مو راعيها مين اللي راعيها ..ايش راح تقول لـ سارا وسماهر وندى ونورة و .. عد وأغلط؟
مشاري: مين سارا وسماهر! الجوال يتقفل ولا لي أي علاقه فيهم، لا يعرفوني ولا أعرفهم! خلاص إنني تبت إلى الله! (يقول جملته الأخيرة بنبرة ساخره). 
صديق مشاري: كثر منها يا صديقي، تبت ولا طفشت وودك تغير الصنف (ويغمز له) .. 
مشاري يضحك وكأنه يؤيد ما قال صديقه: الاثنين يا عزيزي! 

(3) 
في نفس الزمان ولكن بمكان مختلف في مدينة أخرى تقع شمال العاصمة الرياض، سليمان شاب عشريني ملتحي، بدت عليه الوسامة ظاهرة في شكله وذلك لتناغم قسمات وجهه واتساق جسده الممشوق القوام، يملك ملامح شرقية حادة فكان أدعج العنين وواسعتين وكثيف الهدب والحاجبين ذو أنف مستقيم حاد وشفتين رقيقة، وأحيط بوجهه شعرات ذقنه متناغمه وشارب خفيف حف بعناية وترتيب.. 

بدت عليه علامات الجدية وهو يجلس بدائرة التف فيها المصلين حول إمام للمسجد عقب الانتهاء من الصلاة  كانوا يستمعون لكلامه وكأن على رؤوسهم الطير، خاصة وأن إمام المسجد خطيب مفوه، يعي بما يريد أن يسمعه الجمهور ويقول ما يودون سماعه، وعقب انتهاء كا جملة من جمله المرصعه بالسجع والجناس كانوا يحركون رؤوسهم بالإيجاب وهم مقتنعين بها قناعة تامه لا يخالطها يقين ..
بدأ الإمام محاضرته في حلقة الذكر  .. 
"بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، من يضلل فلا هادي له .. 
نعم أيها الأخوه لقد تعست الأمة التي لا تستطيع التفرقة بين أعدائها وأصدقائها، فتُوالي من يستحق العداء والبراءة، وتعادي من يستحق الولاء والمحبة، فالرضوخ المستمر لأعداء الله، والإذعان لهم، والذلة إليهم، والاستعانة بهم؛ من عوامل الهزيمة والضعف الذي ينشب أظفاره ومخالبه في جسد الأمة، فيوهنه يومًا بعد يوم، ويعزز لروح الانقسام بين أبنائه بمرور الزمن ..
لقد تعرض رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم لمحن وحوادث بسبب الحقد الدفين الذي يحمله هؤلاء القردة والخنازير من عهده صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، فقد حاولوا في حياته قتله عدة مرات، وبعد موته حاولوا نبش قبره فأحبط الله كيدهم ومكر بهم، وهاهم اليوم يسخرون به صلى الله عليه وسلم في الصحف والجرائد والقنوات، ويتطاولون على جنابه –أخزاهم الله- وهذا مبشر بفتح وخير، ومخرج لهذا الأمة من أزمة الذل والعار والاضطهاد إلى العزة والتمكين بإذن الله! نعم جيش محمد بن عبد الله قادم !"
وكبر الجموع بعدما انتهى: الله أكبر الله أكبر الله أكبر !!!  
هنا رفع سليمان يده حتى لاحظه الإمام وأذن له بالكلام قائلاً: تفضل يا مهندس سليمان 
يسأل سليمان: ولكن يا شيخ ما حكم الابتعاث للدراسة وطلب العلم في الخارج؟ خصوصاً أن وظيفتي كمعيد تحتم على السفر لاستكمال دراستي!
يرد الشيخ: إذا خفت على نفسك من الفتن فالأرجح أن لا تذهب هناك حتى لا يفتنوك في دينك ودنياك، ولكن إذا كنت تستطيع كباح نفسك ورغبتك بالعلم قوية، فطلب العلم فريضة على كل مسلم، وأنت وضعك يختلف بكونك معيد في جامعتنا ومن الجيد استقاء بعض العلوم المادية منهم خاصة وأنهم متقدمين في ذلك عنا! بعد أن سرقوا كتبنا وأحرقوا بعضها وأغرقوا بعضها الآخر خلال الغزوات الصليبيه البربريه أنذاك التي شنوها على الدولة الإسلامية، ومن الجيد التعلم في بلادهم لنتعلم لغتهم "ومن تعلم لغة قوم آمن مكرهم!" وأدعو الله أن يعلمك ما ينفعك وينفعك بما علمك! 
هز سليمان رأسه مؤيداً مقتنعاً بكلام الإمام وتمتم: جزاك الله خير يا شيخ! 

(4)
بعد النقاش الحامي الذي دار بين لجين وأحمد وتعاكست فيه وجهات أحلامهما, والذي مازال صداه يتردد برأس لجين وهي تفكر وتحلل كل كلمة وإيماءة ونبرة صوت صدرت من أحمد وعيناها ممتليئة بالدموع التي ظلت تقاومها كثيراً وهي تحبسها في مقلتيها حتى شعرت بالإنهاك، فكبرياؤها يمنعها أن تذرف دموع على مناسبة كهذه، خاصة أنها ليست المرة الأولى التي يختلفون فيها ولكنها شعرت بأنها الأكثر جدية!
لم تبرح أن تتخيل صورة أحمد التي بدت كلوح زجاجي يتكسر وتتحول شظاياه إلى قطع متناثرة وما زادها حرقة إلا انتظارها بمراقبة هاتفهاوالذي طال لساعات لأحمد لعل وعسى يتعطف عليها بمكالمة تلفونية أو حتى رسالة نصية يعتذر لها فيها عما بدر منه من تهميش لطموحها. 

كان أحمد الشاب الذي اختارته من بين الكثير وهو المثقف والموهوب والمتميز في عمله والمستقيم في أخلاقه، ولكن عقليته كانت موسومة بالإنغلاق والتقليدية، ولطالما كانت لجين خارجة عن كل ماهو مألوف وثابت باحثة عن المتغير ورافضة لكل التقاليد البالية التي لا تخدمها، ولطالما تساءلت لماذا أحبته ولماذا قلبها أختاره على الرغم من أن عقلها كان يحرضها بأنه ليس الشخص المناسب. 

لم تصحو من عالمها إلا على صوت والدتها تدعوها لتناول طعام العشاء الذي بات جاهزاً وموضوع على طاولة الطعام ينتظر قدومها، تنبهت لنداء والدتها الذي تكرر أكثر من مرة، فمسحت الدموع من عينيها سريعاً وذهبت إلى حمام التابع لغرفتها حتى لا يراها أحد بالجرم المشهود وهي تبكي لتغسل وجهها وتجففه وكأنها بذلك تريد أن تمحو أي معلم من معالم الحزن الذي اكتسح محياها, ونزلت سريعاً من على السلم الذي يتوسط البيت وهي ترد على نداء والدتها: ايوا ايوا يا ماما خلاص جايه! 
تجد والديها و أخيها الصغير على طاولة الاكل ينتظرونها ليبدأو بعدها بتناول طعام العشاء ..
والدة لجين وكانت قد لاحظت شيء من الحزن في عيني طفلتها: ايشبك يا لجين ما تأكلي وقدامك الكشري اللي تحبيه سويناه مخصوص عشانك؟ 
لجين بنبرة حزن لا تستطيع إخفاؤها وكأنها تود أن تجد أي مبرر لحزنها: يا الله مو قادره أتخيل أنه ممكن أكون مسافره الأسبوع الجاي لأمريكا, وراح أفتقد الجمعة الحلوه إذا سافرت ..
أم لجين تحاول برباطة جأش: فاولي خير يا بنتي، راح ترجعي إن شاء الله وأنتي رافعه رؤسنا وجايبه معاكي الشهاده الكبيره, وبعدين مو أول واحده تسافري شوفي الناس يسافروا، وطبعاً رجعوا لأهاليهم بالشهادات الكبيرة (توجه نظرها إلى زوجها بفخر) نبغاكي زي أبوكي كان من أول الناس اللي درسوا برا وحمدلله ربي أكرمنا من واسع فضله وشوفيه ماسك منصب! 
أبو لجين وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة زهو لإطراء زوجته، ثم توجه حديثه إلى لجين ابنته بنبرة الناصح: صدقيني يا بنتي الحياة مغامرة جرئية أو لاشيء، لازم الواحد يسافر ويجرب أشياء جديده ويكتشف عوالم ثانيه والتجارب تضيف لرصيدك خبرات والخبرات يعني نضج الإنسان بس يحاول يتعلم منها. وبعدين لا تقلقي من البعد يا بنتي مع السكايب وتويتر وفيس بوك نقدر نتواصل العالم صار قريه صغيره، وبعدين حبيبتي أنتي مو أول مره تسافري أمريكا! وكمان راح تعيشي بميامي بنفس المدينه اللي زرناها الصيف قبل سنتين ونفس المدينة اللي درست فيها وأنا شباب، يعني بتكوني متألفه مع المنطقه ومو غريبه عليك!
لجين: بس هذا أول مره أسافر من غيركم وأكون لوحدي!
أخو لجين إيهاب ساخراً: يا الله لوحدي يا ملكة الدراما، كلها كم شهر ونجي نزورك في الصيف .. ونطفش منك (يقلد صوت أخته ساخراً) يا الله أنا مره حزينه أنا بسافر لوحدي !
لجين (مغتاضه من أخيها): أيوه كل هذا عشانك تبغى الفكه مني وتأخذ غرفتي لأنها أكبر وأوسع وطبعاً أنظف من الزريبه اللي اسمها غرفتك ما قد شفتها مرتبه، أنا بس ما أدري كيف مستحمل الريحه، مدري بيض مسلوق مع فول سوداني!
أم لجين: يالله ما تبطلوا مناقره أنتو الاثنين، حتى آخر أسبوع وقبل لا تسافري يا لجين، طيب خليكي الكبيره والعاقله!
أخو لجين (باستنكار): زريبه! أنا غرفتي زريبة طيب أعدي لك هي هالمره محترمك عشان بعد كم يوم حتكوني موجوده بالمطار، وبعدين لا تقلبي المطار دراما! 
لجين: ما تضحك! 
الأب: خلاص كملوا أكلكم في هدوء!
وأكملوا تناول طعاهم غير أن أحاديثهم بتبادل النظرات بأعينهم استمرت, يبدو أن ظاهرها مشاكسات مغلفة محبة وود وتوالف مقصود، كهذا دائماً العائلات يأخذون بعضهم من المسلمات ووينقصهم تقديرهم لبعضهم إلا إذا تفارقوا أو أصاب أحدهم مكروه!

(5)
بعدما فرغ الإمام من خطبته والتي كانت بعد صلاة العشاء، جلس سليمان يقرأ بعضاً من آيات الله ويصلي صلاة الوتر وعقب انتهاؤه منها التفت ليجد صديقه عبدالمحسن يقف هناك ينتظره وكأن هناك حاجة في نفسه يود سؤال سليمان عنها ... 
محسن: السلام عليكم ورحمة الله
سليمان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. حيا الله محسن  
محسن: صحيح الكلام اللي سمعته؟!
سليمان: وش سمعت بوه؟
محسن: بتسافر بعثه لأمريكا، بؤرة الكفر وبلاد القرده الخنازير!
سليمان لم يتوقع أن محسن يناقشه في موضوع سفره خاصة أن الشيخ أجاز له ذلك فرد عليه قائلاً وكأنه يدحض حجته ولا مبرر لإنكار السفر عليه: طلب العلم فريضه يا محسن، وأنا رايح هناك أستفيد من علومهم المادية. 
محسن: تقدر تطلب العلم هنا، مو ضروري تروح هناك! وبعدين مافي أفضل من استقاء علوم الشريعه وأصول الدين هنا في بلد المسلمين، أساساً هذا هو العلم الصح وهو محور حياتنا ومصدر لكل تشريعاتنا أما العلوم المادية لا تفع يوم تبلى السرائر . 
سليمان: صحيح كلامك، بس أنا بروح أحضر ماجستير بالهندسه، والهندسه علم يبرعون فيه أكثر منا ونحتاج نستفيد منهم ومن خبراتهم .. بالاضافه أقدر أتعلم لغتهم .. ومن تعلم لغة قوم آمن مكرهم مثل ما قال شيخنا! 
محسن: أخاف عليك من فتنهم وأن لا تأمن نفسك هناك ..تعرف حديث رسولنا عليه الصلاة والسلام: "لا تنم بين ظهراني كفار"
سليمان: عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم، بس أفا عليك يا أبو معاذ لا تخف علي، بل عليك أن تخاف عليهم مني لأني بإذن الله سأجتهد في دعوتهم للإسلام.. وسأحتسب الأجر عند الله!
عبدالمحسن وبدا وكأنه غير مقتنع بكلام سليمان:  الله يقويك!

** تكملة القصة يوم الإثنين القادم
تويتر
@Eman_Osaimi

No comments:

Post a Comment