قبل قراءة الفصل الجديد ينصح بقراءة الفصول السابقة للقصة .. الروابط هنا:
الفصل الأول - قرار الرحيل
تكملة الفصل الأول - قرار الرحيل!
الفصل الثاني - يوم جديد
الفصل الأول - قرار الرحيل
الفصل الثاني - يوم جديد
الفصل الثالث
(1)
في مدينة سليمان الصغيرة والذي غلب عليها الهدوء حين أسدل الليل ستاره، كان سليمان يتسامر مع والدته في صالون منزله ويريد أن يتغانم أيامه القليلة مع أمه قبل سفره والذي قد يستمر لشهور طويلة دون أن يلتقيها ويراها مرة أخرى، وبينما كانت يتجاذب أطراف الحديث مع والدته جاءت أخته بثلاجة القهوة وصحن من التمر وبدا أنها عمرها لم يتجاوز ال 16 سنه وكانت ترتدي ثوب طويل تتعثر في ثنياه وكانت ضئيلة الهيئة خجولة الملامح وهي تضع خصلات من شعرها المنساب خلف أذنيها وعندما جلست غطت بأطراف ثوبها قدميها وجلست بالقرب من والدتها وأخذت الفنجان لتصب بعض القهوه وتناوله إلى والدتها.
الأم بنبرة معاتبه: ناولي أخوك أول هو رجال البيت!
سليمان: ما شاء الله على أختي بدرية الذربه تسوي القهوه وتصب الفنجان مثل الحريم السنعات، خلاص يمه لازم نزوجها!
تضحك بدريه بصوت خافت وهي تدس وجهها بين يديها على استحياء مبالغ!
الأم: لا ما أبيها تتزوج، توها صغيرة وما خلصت مدرستها وهي الجعدة أبيها عندي حبيبة قلب أمها
سليمان: شدعوه يمه ؟! وأنا وين رحت؟! وبعدين المرة مصيرها بيت رجلها وتحتاج الستر
الأم: يا وليدي ما يكفي وش صار لنوير أختها! طاحت برجال ماهو سنع، المرة تحتاج رجل يعاونها على الدنيا، مو أجيك عون تطلع لي فرعون !!
سليمان: وش فيها نوير؟ ما عندها غير دلع بنات وتقعد تشكى عندك يمه وأنتي مشكلتك تسمعين لها!
الأم (بنبرة حزن): لا يا وليدي مو تدلع، هذا يوم أنه مانعها تجي تزور أميمتها بعد عيد رمضان، والحين خلصت شهرين ما شفتها ولا شفت عيالها وبيتها حذفة حصاة وقريب من هنا وشهو هالرجال يمنع الحرمه تزور أهلها؟! وأنا كبدي بتنقطع عليها وعلى عييلها!
سليمان: تلقى الرجال مشغول يمه مو فاضي لمشاوير الحريم، والمرة ما لها غير تلزم بيت زوجها وتطيعه، حتى وإن كانت على التنور وناداها تلبيه! وهذا شرع الله.
الأم: بس يراعي حق الله فيها مابيه يعاملها أزود، (تصمت الأم ويبدو أن ابنتها بدرية تأثرت بكلام والدتها وكادت الدمعه تفر من عينيها) وأنت يا سليمان تدخلت في نوير وشف وش صاير لها، مالك درب على أختها بدريه ورأسي يشم الهوا!
سليمان: أفا يمه وأنا أحسب نفسي رجال البيت بعد ما توفى أبوي الله يرحمه وأبي الستر لخواتي
الأم: استر نفسك بالأول وتزوج قبل لا تروح لديرة اليهود وأنت مو محصن عمرك!
سليمان: يوووه يمه تكلمنا في الموضوع هذا ألف مليون مره، مو الحين لما أروح هناك استقر أتزوج، والدير ذيك ما تنفع عوائل بس شباب!
الأم: براحتك يا وليدي وأنا براحتي مع بناتي .. والله يسهل دربك ودربهن!
وتلتقط الأم صينية القهوه من الأرض بعد أن استفزها سليمان بكلامه وعدم تفهمه وتتبعها ابنتها تاركة ولدها سليمان غارق في التفكير وغير متقبل فكرة أن أمه تمنعه من الوصايه على أخواته الإناث وما زال يرى أن يجب أن يكون وصي عليهن أو يعين أحد الذكور زوجاً ووصياً عليها دون النظر إلى كفاءته,حتى وإن تعلم وأراد السفر والابتعاث ما وراء المحيطات وإلى بلدان ذو مساحات شاسعة إلا أن تفكيره لا يزال ضيق ومحدود، معتبراً أن الدور الأول للمرأة أن تكون زوجة وتحتاج الستر!
(2)
كانت ليلة فرح انقضت سريعاً في أحد قاعات الأفراح المنتشرة بمدينة جدة، ولكنها كانت ليلة طويلة جداً بالنسبة إلى عبير التي ذهبت إلى الحفل على مضض مع والدتها وقد تفتر فاها وهو يسفر عن ابتسامات تنم عن مجاملة وتعبت من تعليقات الشفقه التي كانوا يلقونها عليها من حين لآخر بسبب تأخر الزواج عليها وأن القطار يكاد أن يفوتها ويتمطقون بعبارة عقبالك بنبرة ملؤها الحزن والأسى لحالها لأنها لم ترتبط بعد وتسجن في قفص الزواج.
وما كادت تصدق أن وقت المجاملات انتهى وستعود من حفل الزفاف إلى بيتها وتعتزل داخل صومعتها ما هذا المجتمع الذي لا يؤمن بكيان كامل للمرأة من غير زواج ورجل! وفي السيارة وفي طريق عودتها للمنزل حاولت والدة عبير أن تنهي جو الصمت المريب الذي ساد عليهن، وتكلمت:
وما كادت تصدق أن وقت المجاملات انتهى وستعود من حفل الزفاف إلى بيتها وتعتزل داخل صومعتها ما هذا المجتمع الذي لا يؤمن بكيان كامل للمرأة من غير زواج ورجل! وفي السيارة وفي طريق عودتها للمنزل حاولت والدة عبير أن تنهي جو الصمت المريب الذي ساد عليهن، وتكلمت:
ها يا حبيبتي إن شاء الله استانستي ووسعتي صدرك .. (تسكت الأم قليلاً وكأنها تنتظر جواب من ابنتها، ولكن ما من مجيب ثم تستأنف حديثها) والله عروسهم تهبل ماشاء الله فستانها حلو ومكياجها يجنن فاكرتها بنت ساميه ما كانت حلوه كذا والله أكيد تستخدم كريمات تفتيح البشره .. والحبوب اللي تغذي البشرة والشعر (تسكت الأم) والله يا بنتي إني أشوفك أجمل منها بمليون مرة، ولكن الله يرزقك بابن الحلال (أرادت بجملتها الأخيرة أن ترفع من معنويات ابنتها الذي شعرت بها منخفضه ومتدنية).
عبير ترد وكأنها تريد أن تغيض والدتها: القرد بعين أمه غزال!
الأم: لا مو كذا القصد يا بنتي، اللي أقصده إنك لازم تهتمين بنفسك عشان يجون الناس يشوفونك ويخطبونك!
عبير (بنبرة عصبيه): يعني أنا استعرض لهم وهم إذا عجبتهم البضاعة يجون يشترون، هذا قصدك!
الأم (معصبه): الظاهر أنتي الكلام ما ينفع معاكي! كأني أنفخ في قربة مفقوعة، أنتم ما تفهمون النصيحه (تحاول أن تهدأ الأم قليلاً) يا بنتي أنا أبغى لك الستر، وأبغى أفرح فيكي وأشوف عيالك وعيال عيالك وأفرح فيهم كمان ومن حق كل أم تفرح في عيالها وبعدين أنتي بنتي الوحيدة.
عبير (بحزن): طيب إذا أنتي يا أمي من حقك تفرحين فيني، أنا من حقي ايش؟! مو من حقي أعيش الحياة اللي أنا أبغاها، ومن حقي أدرس برا إذا أبغى، ومن حقي أصير حرة وأختار اللي أبغاه!
الأم (بنبرة حزم): ما في دراسه برا من دون زواج!
قالت الأم عبارتها الأخيره وكأنه قرار لا رجعة فيه!
وبعدها يسود الصمت في السياره والجو يكون مشحون بالتوتر..
تعود عبير من ليلة الفرح تلك التي كانت بالنسبة لها هي ليلة حزن، تغلق باب غرفتها خلفها وتجلس أمام المرآة وتتأمل وجهها المليء بالمكياج والذي حاولت وبشكل مثير للشفقه أن تجذب انتباه أمهات العرسان أصحاب رأس المال وترجو أن تستعطف عليها بعرضها للزواج من ابنها أو قريبها، تمتليء عينيها بالدموع التي بدت محتبسه خلف الظلال الكثيفه والكحل الأسود والتي ما كادت أن تشهق حتى انهمرت دموعها بغزارة وساح كحلها راسماً خط أسود على امتداد خديها، راحت عبير بعدها تبكي بحرقه!
تبكي شهادتها التي اجتهدت كثيراً من أجل أن تحصد ثمار علمها، فلم تهنأ بنومة ولم تجد طعم الراحة وسهرت الليالي تطلب العُلا، ولكن أي عُلا وثمار ترتجي وهي لا تجد الوظيفه التي تليق بطموحها ولا حتى تكاد تحلم ببعثة لتستقي من نهر العلم الذي لا ينضب، فأهلها يمنعونها حتى من السفر وحدها حتى تأتي بالعريس الوصي القائم على أمورها والتي تعتبر أنها إنسانة ناقصة بدونه وحياتها لا ولن تكتمل وأحلامها ممكنة معه ومستحيلة بدونه ..
تبكي طموحها الذي كان عالياً يلامس النجوم ليهبط لقاع الأرض ..
تبكي روتينها الرتيب الممل فقد أصبح لا شيء هنا غير السهر ليلاً والنوم نهاراً ومشاهدة الأفلام الأجنبية والمسلسلات التركية التي تستطيل حلقاتها أياماً وشهوراً فهذا ما تحتاجه أن تضييع مزيداً من الوقت! الوقت الذي أصبح بلا قيمة! وقد كان في زمنها السحيق هو بقيمة حياتها وكانت تحسب للساعة وللدقيقه ألف حساب حتى تقرأ وتفهم وتدرس وتستذكر وتدون ملاحظاتها!
تبكي حضورها لحفلات زفاف وليالي أعراس بات طعم الفرح فيها باهت، فقد تذهب هناك وتشعر بأنها بضاعه تعرض نفسها لأمهات أزواج المستقبل والذين لا يتقدمون بطلب يدها بناءاً على رقة طبعها ودماثة أخلاقها ولكنه بناءاً على جمال ملامح وجهها ولون بشرتها، ولطالما حال لونها الأسمر على الارتباط سريعاً من أحدهم، وهذا طبيعي في مجتمع تزخر تقاليده بملاحقة القشور والمظاهر وعدم التنقيب عن اللب والجوهر ولا تُختار الزوجة فيه وتقيّم على أساس أخلاقها وعلمها وذكاؤها بل على جمالها درجة ولون بشرتها الفاتح، فكلما كان لونها فاتح تناسب ذلك طردياً مع فرص الخطاب الذين سيطرقون بابها ويتهافتون لطلب يدها!
تبكي على كونها أنثى في مجتمع بطريركي ذكوري بحت حكم عليها أن لا حياة لها من دون ذكر، وهو الذي تسلط واستبد واغتصب كل حقوقها وسلب منها كل سبل الحياة الكريمة الطبيعة لتقف هي عاجزة أمامه لا حيلة لها إلا أن تكون في أشد الحاجة إليه ..
وحتى لو أرادت الإرتباط كيف يكون السبيل؟ وكيف يلومها مجتمع على كونها عزباء ولا يعطونها الأدوات اللازمة لتصحيح وضعها، فما عليها سوى الإنتظار والإنتظار ثم الإنتظار عسى أن يتعطف أحدهم ويطرق بابها!
تبكي بحرقه وصوتها يتهدج وهي تحاول أن تسعف نفسها بكلمة "يارب" "يارب زوجني".. وكأنها بتلك الدعوة رضخت وستقبل بأول عريس يطرق بابها، تلك الدعوة التي كانت بمثابة القشه التي تتعلق بها وهي غارقه في بحر من الأحزان!
(3)
في أحد ردهات المعهد كانت لجين تجلس على إحدى المقاعد وتقلب في هاتفها المحمول، وفجأة تظهر لها رسالة من أحمد فتفتحها لتقرأ نصها "لجين أرجوك أنا آسف .. أعطيني فرصة أكلمك .. بس نتفاهم" وبينما كانت تفكر بعمق عن العدول عن قراراها و الرجوع إلى أحمد ومنحه فرصة أخرى، خاصة وأنها تشعر بالحنين إليه، والوحدة والبعد عن الأهل يشكلان عامل ضغط عليها في غربتها. وعلى حين غرة سمعت صوت أحدهم يناديها باسمها ليقطع عليها حبل أفكارها، فالتفتت إليه وإذا هو مشاري الذي رأها تجلس في آخر الردهه فهتف بحماس:
لجين يا هلا والله بالجداوية رفيقة الكفاح والسفر!
ترد لجين وهي مفزوعة: بسم الله فجعتني! أحد ينادي كده! وبعدين سافرنا في رحلة وحده وبالصدفه خلاص أصير رفيقة السفر؟!
مشاري: والله آسف ما أقصد، بس اللي ماخذ عقلك! المهم بشرينا عنك كيفك؟ كيف المعهد معك؟ ان شاء الله مستانسه!
لجين: حمدلله أيام تمر بسرعه وأيام أحس إنها تمشي بشويش، وأنا أبغى أروح الجامعه عشان أبدأ دراسة، مو متحمسة للمعهد أكثر من حماسي للدراسة في الجامعة!
مشاري بنبرة تميلح: ما شاء الله عليك تبدأين دراسه، يعني طفشتي مننا! يلا معليه الله يرزقك القبول وإيانا، ما قلت لي أنتي بأي مستوى بالمعهد؟!
لجين: بالسادس (وبدت كلماتها مقتبضه ومختصرة)
مشاري: ما شاء الله يعني المستوى الأخير وتخلصين من المعهد أنا حطوني بالمستوى الأول .. قلت يعني عشان أتأسس صح وابدأ من البداية ..
لجين في عقلها (لا والله عشان تضيع وقتك .. وتتسلتح): بالتوفيق إن شاء الله أنا لازم أمشي، عندي شغله بسويها عن إذنك!
مشاري: دايم عندك شغلات وبتسوينهم ومستعجلة خفي علينا يا كونداليزا رايس أنتي، بس بسألك الحين كيف ما شاء الله حطوكي المستوى الأخير يعني انجليزيتك كويسه؟
لجين: ايوا الحمدلله، كنا نسافر كثير وكنت أروح دورات أتعلم فيهم انجليزي.
مشاري: ما شاء الله كويس طيب، امممم ايش ناوية تتخصين في الجامعه؟
لجين: والله ودي أتخصص في الإعلام والعلاقات العامة لأني أحب الناس ومجال جديد في السعودية ومحتاجينه، وممكن أخذ كم كلاس بالمسرح لأني شغوفه فيه ومره أحبه بس للأسف بالسعوديه ما عندنا مسارح!
مشاري: ما شاء الله مسرح مره وحده يعني بتصيرين ممثلة، والله وحدة حلوة مثلك لايق عليها، بس ما أدري الملحقيه بيوافقون لك؟ أكيد عندك واسطات!
لجين (بدت منزعجة من أسلوب مشاري وحاولت أن تفحمه بقولها): لا والله إذا تعرف أحد خليه يتوسط لنا!
مشاري: علينا الحركات هذي (ويغمز بعيونه) علينا! تقولين لبابا يتوسط لك
لجين: لا أبداً أصلاً بابا ما يعترف بالواسطات، والموضوع كلاس أو كلاسين عن المسرح مو معناته لازم واسطه ممكن أستعين بأهلي..
مشاري: خلاص والله صدقتك محد متوسط لك، والله يخلي لك البابا والماما!
لجين وكأنها أحست بنبرة السخرية في صوت مشاري قالت: طيب أنا لازم أمشي عن إذنك!
مشاري باستظراف: طيب خلينا نشوفك، وخشمك معك!
تبتعد لجين عن مشاري الذي كان ينظر لها معجباً بجرأتها، وتتجاهله تماماً وتفتح جوالها وتقرأ رسالة أحمد التي يبدو وكأنها تقرأها للمرة الأولى، ولكن هذه المرة تشهر أن الحنين يفيض بها وتريد أن تصدقه وتريد أن تمنحه فرصة أخرى بل كانت هناك رغبه متزايدة لسماع صوته،لأنها باختصار اشتاقت إليه!
(4)
كانت الساعه تشير إلى الثانية عشر ظهراً والشمس تتوسط كبد السماء إيذاناً بموعد إلقاء مو لمحاضرته، وهو في الحرم الجامعي بجامعة ميامي وفي طريقه متجهاً لقاعة محاضراته لمح امرأة مسلمة ترتدي النقاب وعباءة سوداء وقفازين ولم يظهر منها إلا عينيها فرمقها بنظرات استهجان ولم يكن مقتنعاً بما رأى وثارت بداخله مشاعر شفقه ناحيتها لأنها كانت ترتدي كل هذه الملابس الثقيله في مثل هذا الوقت من السنة وفي هذا الجو الحارق وتحت لهيب الشمس الساخنه والرطوبه التي لا تطاق، وكان يتساءل ما إذا كانت مختارة أم مكرهة ومجبرة على تقبل هذا اللباس، وأي دين يفرض على النساء لباس كهذا يراد به محو وجهوهن وطمس هويتهن وتقييدهن.
يصل مو لقاعة محاضرته ليجد طلابه يشغلون المقاعد وهم بانتظاره
مو: مساء الخير جميعاً، كيف كانت عطلة نهاية الأسبوع؟ أتمنى أن الجميع استمتع بقضاءها!
أحد الطلبه: لقد كانت جيدة وسريعة وباغتنا يوم الاثنين فجأة كعادته! ولم نكن نخطط لذلك.
مو (يضحك): لا عليك يوم اثنين سعيد، وتذكر أن الأشياء التي لا ننتظرها تأتي إلينا أسرع من الأشياء التي انتظرناها، إن ذلك أحد قوانين مورفي (يقولها وهو يبتسم ثم يستأنف حديثه) اليوم سنتكلم قليلاً عن الشرق الأوسط وعن شيء يميز حضارتهم وثقافتهم، ولكني أريد أن أسمع انطباعاتكم أولاً، قولوا ما الذي تتوقعونه يميز حضارتهم عن سائر الحضارات؟
أحد الطالب: طعامهم جداً لذيذ أنا أحب الكباب والفلافل مع الحمص!
مو يعلق على الطالب: يبدو أنك من رواد المطاعم العربيه (ويشير على كرشه) فهذه لم تأتي من فراغ!
يضحك بقية التلاميذ على تعليق أستاذهم مو ..
طالب آخر: أحب موسيقاهم والرقص الشرقي، ولكني لا أستطيع الوثوق بهم فعندما أشاهد الإعلام وأخبار الشرق الأوسط أدرك كم هم إرهابيين وأرى مدى كرههم لنا واضح في أعينهم وأخشى أن يقوموا بتفجيرنا في أي لحظه!
طالب ثالث: سأقول أن منطقة الشرق الأوسط لديها تاريخ عريق وحضارة تمتد لآلاف السنين من عصر الفراعنه وبابل إلى الحضارة الإسلامية، وبعض مدنهم تمتاز بأنها مقدسه كمكة والمدينة والقدس، ولكن بعض جماعات المسلمين وحتى البلدان الإسامية أحياناً تكون متطرفه في تعاملهم مع هذه المبادئ وبالذات ما يتعلق بالمرأة وقد سمعت أن إحدى البلدان الإسلامية لا تسمح للمرأة بقيادة السيارة؟!
مو: إجابه جيده وهذا في الواقع ما كنت أبحث عنه,، أنا أقول رأي شخصي وليس بالضرورة أن يكون صحيح، فاليوم على سبيل الصدفه التقيت بامرأة مغطاة بالكامل من رأسها حتى أخمص قدميها ولم أرى فيها غير عينيها، فمسألة النقاب أرى أنها مسألة مبالغ فيها، فتسألت بيني وبين نفسي أي دين هذا الذي يجعل المرأة من دون ملامح و بالتالي من دون هوية، وكانوا دائماً يتذرعون بأسباب هي باعتقادي واهية أن تتحجب بالطريقة هذه حتى لا تتعرض للتحرش وتحفظ نفسها من الذئاب البشرية، ولكن هناك احصائيات تدل على أن أعلى نسبة للتحرشات الجنسيه ضد المرأة تحدث في بلدان إسلامية منها أفغانستان ومصر، وبرأيي أن المرأة ضحية، يتهمونها بإفسادهم وإثارة غرائزهم وبذلك تكون تلعب دور الجاني وهي للأسف المجني عليه، ليس عليهم أن يحجبوها ويلغوها تماماً ولكن عليهم أن يحترموها ككائن بشري وليس أن ينظروا لها كجسد ومصدر متعة بل إلى روحها كإنسان، أنا أتفق تماماً أن يكون لها حق الإختيار بأن تتحجب أو لا تلبس الحجاب ولكني ضد أن تجبر عليه وهذا لن أرضاه .. معظم القرارات التعسفيه في حق المرأة تقع نتيجة منعها من الحلال كي لا يقع الرجل في الحرام!
وهنا رفع طالب يده ليستأذن مو لإتاحة الفرصه له للكلام وبدا أن لديه شيء مهم ليقوله وما كاد مو ليأذن له حتى اندفع بالكلام: يا سيد مو سوف أتكلم من منطلق أنني أمريكي من أصل عربي وأنا وعائلتي مسلمون، هناك يا أستاذي لبس خطير بين هذا الدين وعادات وتقاليد شعوب عربية، هذا الدين مثالي ولكن بعض المسلمون ليسوا مثاليين, إن هذا الدين مثل أداة فلنقل مثل القلم، قالقلم أداة مفيدة جداً للكتابة ولتبادل المعرفة والعلم، ولكن بواسطته أيضاً نستطيع أن نكتب أشياء بلا قيمة أو أكاذيب قد تهدم مفاهيم وتبطل عقول.. وبالنسبة لموضوع المرأة العربية والمسلمة ومسألة إرتدائها للنقاب، من رأيي أن هناك عادات وتقاليد شعب تحكمها أكثر من الدين، فالحجاب على سبيل المثال لا الحصر كان سكان الجزيرة العربية وحتى بعض القبائل التي سكنوا الصحراء الكبرى أن نساؤهم ورجالهم كانوا يغطون روؤسهم ويرتدون اللثام على حد سواء كي يحمون أنفسهم من أن تدخل ذرات الرمال إلى أعينهم وأنوفهم وحلوقهم أثناء هبوب الرياح، ولكني لا أنكر أن الحجاب ذكر في كتابنا المقدس القرآن وواجب الستر على كل امرأة خوفاً من الفتنة! ولكني أنكر النقاب خصوصاً في بلد كأمريكا وأوروبا ويعرض المرأة لجريمة كراهية وهي بذلك تلفت الانتباه أكثر والغرض من الحجاب أن تحتجب عن الانتباه وحتى لو كشفت رأسها هنا بميامي لا تثير بذلك أي فتنة لأن هذا الدارج والمتعارف عليه.
مو كان يستمع إليه بكل إهتمام وعلق على كلامه: جيد لقد أثريتنا بمعلوماتك وأنرت عقولنا عن أشياء كنا نغفل عنها أو أصابنا سوء فهم فيها، شكراً لك يا يوسف!
نعود لموضوعنا لموضوع المرأة التي طالب كثيرون بحقوقها وكثيرون آخرون حاولوا بشتى الوسائل تهميشها، ولم يكن ذلك في مجتمع واحد بعينه ولكن بالمجتمعات كافة وحتى الغربية منها, وعلى مدى العصور والأزمان..
أريد أن أحكي لكم عن أسطورة قديمة .. وكل ما عليكم فعله هو تحليلها ومعالجتها إلى نصوص دراميه تستطيعون تمثيلها على المسرح وتقسمون أنفسكم إلى مجموعات لعمل ذلك
الأسطورة تقول: يحكى أن هناك قرية قاموا سكانها بتهميش نصف سكانها تهميشاً تاماً لا لشيء إلا إلى أن لون شعرهم يميل إلى اللون الأخضر منذ لحظة ولادتهم، وفي ليلة من الليالي لم يكن بها ضوء قمر خرج على أهل القرية مارد شرير تشع من عينية شرار نتيجة غضبه من تعصب أهل القرية اللامبرر ومعه خطاب طويل عريض كان يود أن يقرأ على حاكم هذه المدينة الظالم أهلها والذي عزلوا نص السكان ظلماً وعدواناً وبهتاناً, ولكن الخطاب لك يكن في واقع الأمر إلا تعاويذ ألقاها المارد على أهل القرية ليصابوا بلعنة، فتبطل نصف وظائفهم التي يقومون بها لأنهم ظلموا نصف سكان القرية الأخضر شعرهم، فعلى سبيل المثيل يستطيع الحطاب أن يقطع الأشجار ولكن يعجز عن جمع الحطب، يستطيع الصياد رمي شباكه ولكنه يعجز عن رفعها، يستطيع الطبيب أن يفحص مريضه ولكنه يعجز عن أن يكتب له العلاج، يستطيع الفارس أن يمتطي خيله ولكنه يعجز عن قيادته... حتى صاح حكيم بأهل القرية وقال لهم: أن لعنة حلت بكم ولن تستطيعوا إبطالها إلا إذا عملتوا على تفعيل نصف المجتمع من جديد، وتقدير دورهم والإقرار بمساواتهم لنا فهم لنا أخوان ينعمون معنا في السراء ويشاركونا همومنا في الضراء... كيف يحق لنا إبطال نصف المجتمع؟!... وعندما عملوا بنصيحة الحكيم بطل مفعول اللعنة وعاشوا بعدها بتناغم وسلام وتلاشت الإختلافات!
(5)
كانت لجين تجلس في شقتها ويبدو أن الملل أخذ منها مأخذه، وهي تقلب بين صفحات تويتر والفيس بوك لترى ما الذي يحدث هناك على أرض الوطن فأحياناً النظر من بعيد يجعل الصورة أوضح، لم تجد ما يثير أدنى إهتمام لديها فبعض المواضيع مكررة حتى ابتذلت أو أنها ملت الحديث عنها لأن الجدال حولها عقيم لا يثمر، أغلقت جهازها المحمول وأخذت تحدق مطولاً في السقف وبدأت الأفكار تأخذها بعيداً لتصل بها إلى جدة مدينتها حيث أحمد فتبتسم بإشتياق لبعض الذكريات الجميلة التي تبادرت إلى ذهنها وصنعوها معاً.
تذكرت أول لقاء جمعهما عندما التقيا مصادفة في شالهيات يملكونها والديهم تقع على شاطيء البحر الأحمر لم تصدق أن أسباب قدومهم إلى الشالية كانت واحدة فقد كانوا هاربين من الواقع المرير لامتحانات الثانوية العامة وحتى ينفكون من الضغوط التي تمارس من قبل أهاليهم وتحضهم على المذاكرة بإصرار وبشكل مزعج كطنين نحل يجعلهم ينفرون، أرادوا أن يروحوا عن أنفسهم نتيجة الضغط النفسي الذي يلقي بحمله عليهم وأختاروا الشالية ليتنفسوا فيه الصعداء، كان مرور أحمد مصادفة من لجين وهي تجلس على الشاطيء باستجمام وتستمع بهدوء وزرقة البحر فعلق: يا عيني على الناس الرايقه فضاوة تعرفي أن الناس امتحانات ثانوية عامة وأنت هنا ولا على بالك! ومن بعدها بدأت المشاحنات التي ولدت شرارة الحب بينهما وتولدت انفجارات بالمشاعر! فكانت وقتها تشعر بأنها لا تريد العودة إلى منزلهم ولا الهرب من مشاكساته التي بدت ممتعه ومراوغه.
أخذت بيدها جهازها الجوال وهي تفكر أن تتصل بأحمد أو حتى أن تجيب على وابل رسائله وبشكل يومي يتوسلها أن تغفر له وتعود إليه، تستعرض جهات الإتصال وتختار اسمه ويبدو عليها التردد قبل أن تتصل به فيبدأ هاتفها بالرنين ومع كل رنه يبدو التوتر جلياً وفي الأخير رد أحمد، وفي صوته يحاول أن ينفض النوم عنه ويبدو مندهشاً ..
أحمد يرد وكأنه لم يتوقع: الو .. لجين؟!
لجين بدأ عليها التردد : السلام عليكم
أحمد وكأنه تلقى مفاجأة سعيدة: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. وحشتني يا لجين مرة! فينك؟! أرسلك وأتصل فيكي ما تردي والله قلقت عليكي!
لجين (بدا وكأنها بورطة وتريد أن تعالج الموضو بهدوء): تسلم، أنا آسفه انشغلت بحياتي الجديدة هنا! أنت كيف أمورك وكيف جده معاك؟
أحمد لم يستطع أن يكابد انهيار مشاعره: جدة مو حلوة من دونك! لجين أنا أحتاجك تكوني في حياتي، أحتاجك دحين أكثر من أي وقت في حياتي كلها، لما رحتي أمريكا حسيت بقيمتك وندمت على إن وداعنا كان سيء.. على الأقل مفروض أقلك "مع السلامة" بنفس مو أقلك إياها وأنا معصب!
لجين (تستمع بصمت وباهتمام بالغ)
أحمد (وهو يشعر أن كلماته تلامس قلبها): وحشتيني مرة، ما وحشتك؟
لجين تحاول أن تستجمع جميع الحوارات التي دارت في ذهنها قبل الاتصال بأحمد والتي توعدت نفسها فيها أن لا تستسلم للمشاعر مهما أغدق عليها من كلمات الحب والعتاب والشوق وأخيراً تكلمت: أحمد أسامحك لكن على شرط، إنك تحترم طموحي وتساندني، وحتى لو كان هذا الشيء عكس خططك وتوقعاتك مني، حاول أنك تتفهم ظروفي عشان نطور من نفسنا لازم نغير طرق تفكيرنا وتوقعتنا من بعض، مو نستهزئ بطموحاتنا وأحلامنا!
أحمد: والله أنا أحترم طموحك وأكثر من هذا كله أنا أحبك ..
لجين تبتسم بخجل ثم تحاول أن تكون نبرتها صارمة: ما يكفيني بس كلام يا أحم،, أنا بشوف أفعالك عشان أصدق وراح أعطيك فرصه ثانيه تثبت الكلام اللي تقوله ..
أحمد: إن شاء الله راح أثبت لك وأثبت لك وأثبت لك، بس قولي أنتي تحبيني وما وحشتك يا دبه ولا كيف؟
لجين (تبتسم بخجل): إلا طبعاً ولا ما كلمتك! بس منغاضة منك..
ويستمر الكلام بينهم وكأن الهجران الذي استمر لأسابيع وحدث بينهم لم يكن، وانقشعت عنهم غمامة الحزن والقطيعه عنهم! وكان كلامهم يختزل بأصوات ضحكاتهم التي تعلو بين الحين والآخر كفواصل وحركات تجمل جملهم وكلماتهم وهم يتبادلون الأخبار بينهم بلهفة المحبين وحنين الصديق القديم الذي يطربك دوماً أن تستمع لكل أخباره وقصصه القديمه الجليلة منها والتافة، فأحمد كان يعرف تفاصيل حياة لجين، أين ذهبت ومن أين أتت وماذا تأكل ومن هي صديقتها المقربة وماذا تفضل وتحب وتكره وحتى اسم سائقهم، وقد شق عليه ألا تحدثه طيلة الفترة الفائتة وكان مستعد أن يقدم الكثير في مقابل أن تعود له كما كانت، ولجين كان يصعب عليها فراقه، وعند فقدانه شعرت بغربة مضاعفة، غربة بعدها عن الوطن وغربة اشتياقها لصوت أحمد والذي يحادثها بشكل يومي, فقد كانت تعرف ماذا يدور في رأس أحمد من أفكار قبل أن ينطق بها، وتشعر من وجهه ومن نبرة صوته ما إذا كان فرحاً أو متكدراً..
عادوا معاً وبكل انسجام وتناغم كانسياق نهر يشق طريقه في قرية صغيرة منقادين وراء مشاعرهم وما أجمل شعور عودة المياه إلى مجاريها، تيقنت لجين وقتها أن شعور الغربة الذي يجتاحها بين الحين والآخر هو غربة مشاعر وليست غربة وطن... أحمد الوطن الذي تسكنه!
** تكملة القصة يوم الإثنين القادم .. تابعونا
تويتر
@Eman_Osaimi
** تكملة القصة يوم الإثنين القادم .. تابعونا
تويتر
@Eman_Osaimi