Monday, August 29, 2016

الفصل الثالث - غربة مشاعر

قبل قراءة الفصل الجديد ينصح بقراءة الفصول السابقة للقصة .. الروابط هنا:

الفصل الأول - قرار الرحيل
تكملة الفصل الأول - قرار الرحيل!
الفصل الثاني - يوم جديد

الفصل الثالث
(1)
في مدينة سليمان الصغيرة والذي غلب عليها الهدوء حين أسدل الليل ستاره، كان سليمان يتسامر مع والدته في صالون منزله ويريد أن يتغانم أيامه القليلة مع أمه قبل سفره والذي قد يستمر لشهور طويلة دون أن يلتقيها ويراها مرة أخرى، وبينما كانت يتجاذب أطراف الحديث مع والدته جاءت أخته بثلاجة القهوة وصحن من التمر وبدا أنها عمرها لم يتجاوز ال 16 سنه وكانت ترتدي ثوب طويل تتعثر في ثنياه وكانت ضئيلة الهيئة خجولة الملامح وهي تضع خصلات من شعرها المنساب خلف أذنيها وعندما جلست غطت بأطراف ثوبها قدميها وجلست بالقرب من والدتها وأخذت الفنجان لتصب بعض القهوه وتناوله إلى والدتها.
الأم بنبرة معاتبه: ناولي أخوك أول هو رجال البيت!
سليمان: ما شاء الله على أختي بدرية الذربه تسوي القهوه وتصب الفنجان مثل الحريم السنعات، خلاص يمه لازم نزوجها!
تضحك بدريه بصوت خافت وهي تدس وجهها بين يديها على استحياء مبالغ!
الأم: لا ما أبيها تتزوج، توها صغيرة وما خلصت مدرستها وهي الجعدة أبيها عندي حبيبة قلب أمها 
سليمان: شدعوه يمه ؟! وأنا وين رحت؟! وبعدين المرة مصيرها بيت رجلها وتحتاج الستر 
الأم: يا وليدي ما يكفي وش صار لنوير أختها! طاحت برجال ماهو سنع، المرة تحتاج رجل يعاونها على الدنيا، مو أجيك عون تطلع لي فرعون !!
سليمان: وش فيها نوير؟ ما عندها غير دلع بنات وتقعد تشكى عندك يمه  وأنتي مشكلتك تسمعين لها! 
الأم (بنبرة حزن): لا يا وليدي مو تدلع، هذا يوم أنه مانعها تجي تزور أميمتها بعد عيد رمضان، والحين خلصت شهرين ما شفتها ولا شفت عيالها وبيتها حذفة حصاة وقريب من هنا وشهو هالرجال يمنع الحرمه تزور أهلها؟! وأنا كبدي بتنقطع عليها وعلى عييلها! 
سليمان: تلقى الرجال مشغول يمه مو فاضي لمشاوير الحريم، والمرة ما لها غير تلزم بيت زوجها وتطيعه، حتى وإن كانت على التنور وناداها تلبيه! وهذا شرع الله. 
الأم: بس يراعي حق الله فيها مابيه يعاملها أزود، (تصمت الأم ويبدو أن ابنتها بدرية تأثرت بكلام والدتها وكادت الدمعه تفر من عينيها) وأنت يا سليمان تدخلت في نوير وشف وش صاير لها، مالك درب على أختها بدريه ورأسي يشم الهوا! 
سليمان: أفا يمه وأنا أحسب نفسي رجال البيت بعد ما توفى أبوي الله يرحمه وأبي الستر لخواتي 
الأم: استر نفسك بالأول وتزوج قبل لا تروح لديرة اليهود وأنت مو محصن عمرك!
سليمان: يوووه يمه تكلمنا في الموضوع هذا ألف مليون مره، مو الحين لما أروح هناك استقر أتزوج، والدير ذيك ما تنفع عوائل بس شباب!
الأم: براحتك يا وليدي وأنا براحتي مع بناتي .. والله يسهل دربك ودربهن! 
وتلتقط الأم صينية القهوه من الأرض بعد أن استفزها سليمان بكلامه وعدم تفهمه وتتبعها ابنتها تاركة ولدها سليمان غارق في التفكير وغير متقبل فكرة أن أمه تمنعه من الوصايه على أخواته الإناث وما زال يرى أن يجب أن يكون وصي عليهن أو  يعين أحد الذكور زوجاً ووصياً عليها دون النظر إلى كفاءته,حتى وإن تعلم وأراد السفر والابتعاث ما وراء المحيطات وإلى بلدان ذو مساحات شاسعة إلا أن تفكيره لا يزال ضيق ومحدود، معتبراً  أن الدور الأول للمرأة أن تكون زوجة وتحتاج الستر!

(2)
كانت ليلة فرح انقضت سريعاً في أحد قاعات الأفراح المنتشرة بمدينة جدة، ولكنها كانت ليلة طويلة جداً بالنسبة إلى عبير التي ذهبت إلى الحفل على مضض مع والدتها وقد تفتر فاها وهو يسفر عن ابتسامات تنم عن مجاملة وتعبت من تعليقات الشفقه التي كانوا يلقونها عليها من حين لآخر بسبب تأخر الزواج عليها وأن القطار يكاد أن يفوتها ويتمطقون بعبارة عقبالك بنبرة ملؤها الحزن والأسى لحالها لأنها لم ترتبط بعد وتسجن في قفص الزواج. 
وما كادت تصدق أن وقت المجاملات انتهى وستعود من حفل الزفاف إلى بيتها وتعتزل داخل صومعتها ما هذا المجتمع الذي لا يؤمن بكيان كامل للمرأة من غير زواج ورجل! وفي السيارة وفي طريق عودتها للمنزل حاولت والدة عبير أن تنهي جو الصمت المريب الذي ساد عليهن، وتكلمت:
ها يا حبيبتي إن شاء الله استانستي ووسعتي صدرك .. (تسكت الأم قليلاً وكأنها تنتظر جواب من ابنتها، ولكن ما من مجيب ثم تستأنف حديثها) والله عروسهم تهبل ماشاء الله فستانها حلو ومكياجها يجنن فاكرتها بنت ساميه ما كانت حلوه كذا والله أكيد تستخدم كريمات تفتيح البشره .. والحبوب اللي تغذي البشرة والشعر (تسكت الأم) والله يا بنتي إني أشوفك أجمل منها بمليون مرة، ولكن الله يرزقك بابن الحلال (أرادت بجملتها الأخيرة أن ترفع من معنويات ابنتها الذي شعرت بها منخفضه ومتدنية).
عبير ترد وكأنها تريد أن تغيض والدتها: القرد بعين أمه غزال!
الأم: لا مو كذا القصد يا بنتي، اللي أقصده إنك لازم تهتمين بنفسك عشان يجون الناس يشوفونك ويخطبونك!
عبير (بنبرة عصبيه): يعني أنا استعرض لهم وهم إذا عجبتهم البضاعة يجون يشترون، هذا قصدك! 
الأم (معصبه): الظاهر أنتي الكلام ما ينفع معاكي! كأني أنفخ في قربة مفقوعة، أنتم ما تفهمون النصيحه (تحاول أن تهدأ الأم قليلاً) يا بنتي أنا أبغى لك الستر، وأبغى أفرح فيكي وأشوف عيالك وعيال عيالك وأفرح فيهم كمان ومن حق كل أم تفرح في عيالها وبعدين أنتي بنتي الوحيدة. 
عبير (بحزن): طيب إذا أنتي يا أمي من حقك تفرحين فيني، أنا من حقي ايش؟! مو من حقي أعيش الحياة اللي أنا أبغاها، ومن حقي أدرس برا إذا أبغى، ومن حقي أصير حرة وأختار اللي أبغاه!
الأم (بنبرة حزم): ما في دراسه برا من دون زواج!  
قالت الأم عبارتها الأخيره وكأنه قرار لا رجعة فيه!
وبعدها يسود الصمت في السياره والجو يكون مشحون بالتوتر.. 
تعود عبير من ليلة الفرح تلك التي كانت بالنسبة لها هي ليلة حزن، تغلق باب غرفتها خلفها وتجلس أمام المرآة وتتأمل وجهها المليء بالمكياج والذي حاولت وبشكل مثير للشفقه أن تجذب انتباه أمهات العرسان أصحاب رأس المال وترجو أن تستعطف عليها بعرضها للزواج من ابنها أو قريبها، تمتليء عينيها بالدموع التي بدت محتبسه خلف الظلال الكثيفه والكحل الأسود والتي ما كادت أن تشهق حتى انهمرت دموعها بغزارة وساح كحلها راسماً خط أسود على امتداد خديها، راحت عبير بعدها تبكي بحرقه!
تبكي شهادتها التي اجتهدت كثيراً من أجل أن تحصد ثمار علمها، فلم تهنأ بنومة ولم تجد طعم الراحة وسهرت الليالي تطلب العُلا، ولكن أي عُلا وثمار ترتجي  وهي لا تجد الوظيفه التي تليق بطموحها ولا حتى تكاد تحلم ببعثة لتستقي من نهر العلم الذي لا ينضب، فأهلها يمنعونها حتى من السفر وحدها حتى تأتي بالعريس الوصي القائم على أمورها والتي تعتبر أنها إنسانة ناقصة بدونه وحياتها لا ولن تكتمل وأحلامها ممكنة معه ومستحيلة بدونه .. 
تبكي طموحها الذي كان عالياً يلامس النجوم ليهبط لقاع الأرض ..
تبكي روتينها الرتيب الممل فقد أصبح لا شيء هنا غير السهر ليلاً والنوم نهاراً ومشاهدة الأفلام الأجنبية والمسلسلات التركية التي تستطيل حلقاتها أياماً وشهوراً فهذا ما تحتاجه أن تضييع مزيداً من الوقت! الوقت الذي أصبح بلا قيمة! وقد كان في زمنها السحيق هو بقيمة حياتها وكانت تحسب للساعة وللدقيقه ألف حساب حتى تقرأ وتفهم وتدرس وتستذكر وتدون ملاحظاتها!
تبكي حضورها لحفلات زفاف وليالي أعراس بات طعم الفرح فيها باهت، فقد تذهب هناك وتشعر بأنها بضاعه تعرض نفسها لأمهات أزواج المستقبل والذين لا يتقدمون بطلب يدها بناءاً على رقة طبعها ودماثة أخلاقها ولكنه بناءاً على جمال ملامح وجهها ولون بشرتها، ولطالما حال لونها الأسمر على الارتباط سريعاً من أحدهم، وهذا طبيعي في مجتمع تزخر تقاليده بملاحقة القشور والمظاهر وعدم التنقيب عن اللب والجوهر ولا تُختار الزوجة فيه وتقيّم على أساس أخلاقها وعلمها وذكاؤها بل على جمالها درجة ولون بشرتها الفاتح، فكلما كان لونها فاتح تناسب ذلك طردياً مع فرص الخطاب الذين سيطرقون بابها ويتهافتون لطلب يدها!
تبكي على كونها أنثى في مجتمع بطريركي ذكوري بحت حكم عليها أن لا حياة لها من دون ذكر، وهو الذي تسلط واستبد واغتصب كل حقوقها وسلب منها كل سبل الحياة الكريمة الطبيعة لتقف هي عاجزة أمامه لا حيلة لها إلا أن تكون في أشد الحاجة إليه ..
وحتى لو أرادت الإرتباط كيف يكون السبيل؟ وكيف يلومها مجتمع على كونها عزباء ولا يعطونها الأدوات اللازمة لتصحيح وضعها، فما عليها سوى الإنتظار والإنتظار ثم الإنتظار عسى أن يتعطف أحدهم ويطرق بابها! 
تبكي بحرقه وصوتها يتهدج وهي تحاول أن تسعف نفسها بكلمة "يارب" "يارب زوجني".. وكأنها بتلك الدعوة رضخت وستقبل بأول عريس يطرق بابها، تلك الدعوة التي كانت بمثابة القشه التي تتعلق بها وهي غارقه في بحر من الأحزان!

(3)
في أحد ردهات المعهد كانت لجين تجلس على إحدى المقاعد وتقلب في هاتفها المحمول، وفجأة تظهر لها رسالة من أحمد فتفتحها لتقرأ نصها "لجين أرجوك أنا آسف .. أعطيني فرصة أكلمك .. بس نتفاهم" وبينما كانت تفكر بعمق عن العدول عن قراراها و الرجوع إلى أحمد ومنحه فرصة أخرى، خاصة وأنها تشعر بالحنين إليه، والوحدة والبعد عن الأهل يشكلان عامل ضغط عليها في غربتها. وعلى حين غرة سمعت صوت أحدهم يناديها باسمها ليقطع عليها حبل أفكارها، فالتفتت إليه وإذا هو مشاري الذي رأها تجلس في آخر الردهه فهتف بحماس: 
لجين يا هلا والله بالجداوية رفيقة الكفاح والسفر!
ترد لجين وهي مفزوعة: بسم الله فجعتني! أحد ينادي كده! وبعدين سافرنا في رحلة وحده وبالصدفه خلاص أصير رفيقة السفر؟!
مشاري: والله آسف ما أقصد، بس اللي ماخذ عقلك! المهم بشرينا عنك كيفك؟ كيف المعهد معك؟ ان شاء الله مستانسه! 
لجين: حمدلله أيام تمر بسرعه وأيام أحس إنها تمشي بشويش، وأنا أبغى أروح الجامعه عشان أبدأ دراسة، مو متحمسة للمعهد أكثر من حماسي للدراسة في الجامعة!
مشاري بنبرة تميلح: ما شاء الله عليك تبدأين دراسه، يعني طفشتي مننا! يلا معليه الله يرزقك القبول وإيانا، ما قلت لي أنتي بأي مستوى بالمعهد؟!
لجين: بالسادس (وبدت كلماتها مقتبضه ومختصرة)
مشاري: ما شاء الله يعني المستوى الأخير وتخلصين من المعهد أنا حطوني بالمستوى الأول .. قلت يعني عشان أتأسس صح وابدأ من البداية .. 
لجين في عقلها (لا والله عشان تضيع وقتك .. وتتسلتح): بالتوفيق إن شاء الله أنا لازم أمشي، عندي شغله بسويها عن إذنك!
مشاري: دايم عندك شغلات وبتسوينهم ومستعجلة خفي علينا يا كونداليزا رايس أنتي، بس بسألك الحين كيف ما شاء الله حطوكي المستوى الأخير يعني انجليزيتك كويسه؟
لجين: ايوا الحمدلله، كنا نسافر كثير وكنت أروح دورات أتعلم فيهم انجليزي. 
مشاري: ما شاء الله كويس طيب، امممم ايش ناوية تتخصين في الجامعه؟
لجين: والله ودي أتخصص في الإعلام والعلاقات العامة لأني أحب الناس ومجال جديد في السعودية ومحتاجينه، وممكن أخذ كم كلاس بالمسرح لأني شغوفه فيه ومره أحبه بس للأسف بالسعوديه ما عندنا مسارح!
مشاري: ما شاء الله مسرح مره وحده يعني بتصيرين ممثلة، والله وحدة حلوة مثلك لايق عليها، بس ما أدري الملحقيه بيوافقون لك؟ أكيد عندك واسطات!
لجين (بدت منزعجة من أسلوب مشاري وحاولت أن تفحمه بقولها): لا والله إذا تعرف أحد خليه يتوسط لنا!
مشاري: علينا الحركات هذي (ويغمز بعيونه) علينا! تقولين لبابا يتوسط لك 
لجين: لا أبداً أصلاً بابا ما يعترف بالواسطات، والموضوع كلاس أو كلاسين عن المسرح مو معناته لازم واسطه ممكن أستعين بأهلي..
مشاري: خلاص والله صدقتك محد متوسط لك، والله يخلي لك البابا والماما!
لجين وكأنها أحست بنبرة السخرية في صوت مشاري قالت: طيب أنا لازم أمشي عن إذنك!
مشاري باستظراف: طيب خلينا نشوفك، وخشمك معك!
تبتعد لجين عن مشاري الذي كان ينظر لها معجباً بجرأتها، وتتجاهله تماماً وتفتح جوالها وتقرأ رسالة أحمد التي يبدو وكأنها تقرأها للمرة الأولى، ولكن هذه المرة تشهر أن الحنين يفيض بها وتريد أن تصدقه وتريد أن تمنحه فرصة أخرى بل كانت هناك رغبه متزايدة لسماع صوته،لأنها باختصار اشتاقت إليه!
(4)
كانت الساعه تشير إلى الثانية عشر ظهراً والشمس تتوسط كبد السماء إيذاناً بموعد إلقاء مو لمحاضرته، وهو في الحرم الجامعي بجامعة ميامي وفي طريقه متجهاً لقاعة محاضراته لمح امرأة مسلمة ترتدي النقاب وعباءة سوداء وقفازين ولم يظهر منها إلا عينيها فرمقها بنظرات استهجان ولم يكن مقتنعاً بما رأى وثارت بداخله مشاعر شفقه ناحيتها لأنها كانت ترتدي كل هذه الملابس الثقيله في مثل هذا الوقت من السنة وفي هذا الجو الحارق وتحت لهيب الشمس الساخنه والرطوبه التي لا تطاق، وكان يتساءل ما إذا كانت مختارة أم مكرهة ومجبرة على تقبل هذا اللباس، وأي دين يفرض على النساء لباس كهذا يراد به محو وجهوهن وطمس هويتهن وتقييدهن. 
يصل مو لقاعة محاضرته ليجد طلابه يشغلون المقاعد وهم بانتظاره
مو: مساء الخير جميعاً، كيف كانت عطلة نهاية الأسبوع؟ أتمنى أن الجميع استمتع بقضاءها!
أحد الطلبه: لقد كانت جيدة وسريعة وباغتنا يوم الاثنين فجأة كعادته! ولم نكن نخطط لذلك.
مو (يضحك): لا عليك يوم اثنين سعيد، وتذكر أن الأشياء التي لا ننتظرها تأتي إلينا أسرع من الأشياء التي انتظرناها، إن ذلك أحد قوانين مورفي (يقولها وهو يبتسم ثم يستأنف حديثه)  اليوم سنتكلم قليلاً عن الشرق الأوسط وعن شيء يميز حضارتهم وثقافتهم، ولكني أريد أن أسمع انطباعاتكم أولاً، قولوا ما الذي تتوقعونه يميز حضارتهم عن سائر الحضارات؟
أحد الطالب: طعامهم جداً لذيذ أنا أحب الكباب والفلافل مع الحمص!
مو يعلق على الطالب: يبدو أنك من رواد المطاعم العربيه (ويشير على كرشه) فهذه لم تأتي من فراغ!
يضحك بقية التلاميذ على تعليق أستاذهم مو ..  
طالب آخر: أحب موسيقاهم والرقص الشرقي، ولكني لا أستطيع الوثوق بهم فعندما أشاهد الإعلام وأخبار الشرق الأوسط أدرك كم هم إرهابيين وأرى مدى كرههم لنا واضح في أعينهم وأخشى أن يقوموا بتفجيرنا في أي لحظه!
طالب ثالث: سأقول أن منطقة الشرق الأوسط لديها تاريخ عريق وحضارة تمتد لآلاف السنين من عصر الفراعنه وبابل إلى الحضارة الإسلامية، وبعض مدنهم تمتاز بأنها مقدسه كمكة والمدينة والقدس، ولكن بعض جماعات المسلمين وحتى البلدان الإسامية أحياناً تكون متطرفه في تعاملهم مع هذه المبادئ وبالذات ما يتعلق بالمرأة وقد سمعت أن إحدى البلدان الإسلامية لا تسمح للمرأة بقيادة السيارة؟!
مو: إجابه جيده وهذا في الواقع ما كنت أبحث عنه,، أنا أقول رأي شخصي وليس بالضرورة أن يكون صحيح، فاليوم على سبيل الصدفه التقيت بامرأة مغطاة بالكامل من رأسها حتى أخمص قدميها ولم أرى فيها غير عينيها،  فمسألة النقاب أرى أنها مسألة مبالغ فيها، فتسألت بيني وبين نفسي أي دين هذا الذي يجعل المرأة من دون ملامح و بالتالي من دون هوية، وكانوا دائماً يتذرعون بأسباب هي باعتقادي واهية أن تتحجب بالطريقة هذه حتى لا تتعرض للتحرش وتحفظ نفسها من الذئاب البشرية، ولكن هناك احصائيات تدل على أن أعلى نسبة للتحرشات الجنسيه ضد المرأة تحدث في بلدان إسلامية منها أفغانستان ومصر، وبرأيي أن المرأة ضحية، يتهمونها بإفسادهم وإثارة غرائزهم وبذلك تكون تلعب دور الجاني وهي للأسف المجني عليه، ليس عليهم أن يحجبوها ويلغوها تماماً ولكن عليهم أن يحترموها ككائن بشري وليس أن ينظروا لها كجسد ومصدر متعة بل إلى روحها كإنسان، أنا أتفق تماماً أن يكون لها حق الإختيار بأن تتحجب أو لا تلبس الحجاب ولكني ضد أن تجبر عليه وهذا لن أرضاه .. معظم القرارات التعسفيه في حق المرأة تقع نتيجة منعها من الحلال كي لا يقع الرجل في الحرام!
وهنا رفع طالب يده ليستأذن مو لإتاحة الفرصه له للكلام وبدا أن لديه شيء مهم ليقوله وما كاد مو ليأذن له حتى اندفع بالكلام:  يا سيد مو سوف أتكلم من منطلق أنني أمريكي من أصل عربي وأنا وعائلتي مسلمون، هناك يا أستاذي لبس خطير بين هذا الدين وعادات وتقاليد شعوب عربية، هذا الدين مثالي ولكن بعض المسلمون ليسوا مثاليين, إن هذا الدين مثل أداة فلنقل مثل القلم، قالقلم أداة مفيدة جداً للكتابة ولتبادل المعرفة والعلم، ولكن بواسطته أيضاً نستطيع أن نكتب أشياء بلا قيمة أو أكاذيب قد تهدم مفاهيم وتبطل عقول.. وبالنسبة لموضوع المرأة العربية والمسلمة ومسألة إرتدائها للنقاب، من رأيي أن هناك عادات وتقاليد شعب تحكمها أكثر من الدين، فالحجاب على سبيل المثال لا الحصر كان سكان الجزيرة العربية  وحتى بعض القبائل التي سكنوا الصحراء الكبرى أن نساؤهم ورجالهم كانوا يغطون روؤسهم ويرتدون اللثام على حد سواء كي يحمون أنفسهم من أن تدخل ذرات الرمال إلى أعينهم  وأنوفهم وحلوقهم أثناء هبوب الرياح، ولكني لا أنكر أن الحجاب ذكر في كتابنا المقدس القرآن وواجب الستر على كل امرأة خوفاً من الفتنة! ولكني أنكر النقاب خصوصاً في بلد كأمريكا وأوروبا ويعرض المرأة لجريمة كراهية وهي بذلك تلفت الانتباه أكثر والغرض من الحجاب أن تحتجب عن الانتباه وحتى لو كشفت رأسها هنا بميامي لا تثير بذلك أي فتنة لأن هذا الدارج والمتعارف عليه. 
مو كان يستمع إليه بكل إهتمام وعلق على كلامه: جيد لقد أثريتنا بمعلوماتك وأنرت عقولنا عن أشياء كنا نغفل عنها أو أصابنا سوء فهم فيها، شكراً لك يا يوسف!
نعود لموضوعنا لموضوع المرأة التي طالب كثيرون بحقوقها وكثيرون آخرون حاولوا بشتى الوسائل تهميشها، ولم يكن ذلك في مجتمع واحد بعينه ولكن بالمجتمعات كافة وحتى الغربية منها, وعلى مدى العصور والأزمان.. 
أريد أن أحكي لكم عن أسطورة قديمة .. وكل ما عليكم فعله هو تحليلها ومعالجتها إلى نصوص دراميه تستطيعون تمثيلها على المسرح وتقسمون أنفسكم إلى مجموعات لعمل ذلك 
الأسطورة تقول: يحكى أن هناك قرية قاموا سكانها بتهميش نصف سكانها تهميشاً تاماً لا لشيء إلا إلى أن لون شعرهم يميل إلى اللون الأخضر منذ لحظة ولادتهم، وفي ليلة من الليالي لم يكن بها ضوء قمر خرج على أهل القرية مارد شرير تشع من عينية شرار نتيجة غضبه من تعصب أهل القرية اللامبرر ومعه خطاب طويل عريض كان يود أن يقرأ على حاكم هذه المدينة الظالم أهلها والذي عزلوا نص السكان ظلماً وعدواناً وبهتاناً, ولكن الخطاب لك يكن في واقع الأمر إلا تعاويذ ألقاها المارد على أهل القرية ليصابوا بلعنة، فتبطل نصف وظائفهم التي يقومون بها لأنهم ظلموا نصف سكان القرية الأخضر شعرهم، فعلى سبيل المثيل يستطيع الحطاب أن يقطع الأشجار ولكن يعجز عن جمع الحطب، يستطيع الصياد رمي شباكه ولكنه يعجز عن رفعها، يستطيع الطبيب أن يفحص مريضه ولكنه يعجز عن أن يكتب له العلاج، يستطيع الفارس أن يمتطي خيله ولكنه يعجز عن قيادته... حتى صاح حكيم بأهل القرية وقال لهم: أن لعنة حلت بكم ولن تستطيعوا إبطالها إلا إذا عملتوا على تفعيل نصف المجتمع من جديد، وتقدير دورهم والإقرار بمساواتهم لنا فهم لنا أخوان ينعمون معنا في السراء ويشاركونا همومنا في الضراء... كيف يحق لنا إبطال نصف المجتمع؟!... وعندما عملوا بنصيحة الحكيم بطل مفعول اللعنة وعاشوا بعدها بتناغم وسلام وتلاشت الإختلافات! 
 (5)
كانت لجين تجلس في شقتها ويبدو أن الملل أخذ منها مأخذه، وهي تقلب بين صفحات تويتر والفيس بوك لترى ما الذي يحدث هناك على أرض الوطن فأحياناً النظر من بعيد يجعل الصورة أوضح، لم تجد ما يثير أدنى إهتمام لديها فبعض المواضيع مكررة حتى ابتذلت أو أنها ملت الحديث عنها لأن الجدال حولها عقيم لا يثمر، أغلقت جهازها المحمول وأخذت تحدق مطولاً في السقف وبدأت الأفكار تأخذها بعيداً لتصل بها إلى جدة مدينتها حيث أحمد فتبتسم بإشتياق لبعض الذكريات الجميلة التي تبادرت إلى ذهنها وصنعوها معاً.
تذكرت أول لقاء جمعهما عندما التقيا مصادفة في شالهيات يملكونها والديهم تقع على شاطيء البحر الأحمر لم تصدق أن أسباب قدومهم إلى الشالية كانت واحدة فقد كانوا هاربين من الواقع المرير لامتحانات الثانوية العامة وحتى ينفكون من الضغوط التي تمارس من قبل أهاليهم وتحضهم على المذاكرة بإصرار وبشكل مزعج كطنين نحل يجعلهم ينفرون، أرادوا أن يروحوا عن أنفسهم نتيجة الضغط النفسي الذي يلقي بحمله عليهم وأختاروا الشالية ليتنفسوا فيه الصعداء، كان مرور أحمد مصادفة من لجين وهي تجلس على الشاطيء باستجمام وتستمع بهدوء وزرقة البحر فعلق: يا عيني على الناس الرايقه فضاوة تعرفي أن الناس امتحانات ثانوية عامة وأنت هنا ولا على بالك! ومن بعدها بدأت المشاحنات التي ولدت شرارة الحب بينهما وتولدت انفجارات بالمشاعر! فكانت وقتها تشعر بأنها لا تريد العودة إلى منزلهم ولا الهرب من مشاكساته التي بدت ممتعه ومراوغه. 
أخذت بيدها جهازها الجوال وهي تفكر أن تتصل بأحمد أو حتى أن تجيب على وابل رسائله وبشكل يومي يتوسلها أن تغفر له وتعود إليه، تستعرض جهات الإتصال وتختار اسمه ويبدو عليها التردد قبل أن تتصل به فيبدأ هاتفها  بالرنين ومع كل رنه يبدو التوتر جلياً وفي الأخير رد أحمد، وفي صوته يحاول أن ينفض النوم عنه ويبدو مندهشاً .. 
أحمد يرد وكأنه لم يتوقع: الو .. لجين؟!
لجين بدأ عليها التردد : السلام عليكم
أحمد وكأنه تلقى مفاجأة سعيدة: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. وحشتني يا لجين مرة! فينك؟! أرسلك وأتصل فيكي ما تردي والله قلقت عليكي!
لجين (بدا وكأنها بورطة وتريد أن تعالج الموضو بهدوء): تسلم، أنا آسفه انشغلت بحياتي الجديدة هنا! أنت كيف أمورك وكيف جده معاك؟
أحمد لم يستطع أن يكابد انهيار مشاعره: جدة مو حلوة من دونك! لجين أنا أحتاجك تكوني في حياتي، أحتاجك دحين أكثر من أي وقت في حياتي كلها، لما رحتي أمريكا حسيت بقيمتك وندمت على إن وداعنا كان سيء.. على الأقل مفروض أقلك "مع السلامة" بنفس مو أقلك إياها وأنا معصب!
لجين (تستمع بصمت وباهتمام بالغ)
أحمد (وهو يشعر أن كلماته تلامس قلبها): وحشتيني مرة، ما وحشتك؟
لجين تحاول أن تستجمع جميع الحوارات التي دارت في ذهنها قبل الاتصال بأحمد والتي توعدت نفسها فيها أن لا تستسلم للمشاعر مهما أغدق عليها من كلمات الحب والعتاب والشوق وأخيراً تكلمت:  أحمد أسامحك لكن على شرط، إنك تحترم طموحي وتساندني، وحتى لو كان هذا الشيء عكس خططك وتوقعاتك مني، حاول أنك تتفهم ظروفي عشان نطور من نفسنا لازم نغير طرق تفكيرنا وتوقعتنا من بعض، مو نستهزئ بطموحاتنا وأحلامنا!
أحمد: والله أنا أحترم طموحك وأكثر من هذا كله أنا أحبك .. 
لجين تبتسم بخجل ثم تحاول أن تكون نبرتها صارمة: ما يكفيني بس كلام يا أحم،, أنا بشوف أفعالك عشان أصدق وراح أعطيك فرصه ثانيه تثبت الكلام اللي تقوله .. 
أحمد: إن شاء الله راح أثبت لك وأثبت لك وأثبت لك، بس قولي أنتي تحبيني وما وحشتك يا دبه ولا كيف؟ 
لجين (تبتسم بخجل): إلا طبعاً ولا ما كلمتك! بس منغاضة منك..
ويستمر الكلام بينهم وكأن الهجران الذي استمر لأسابيع وحدث بينهم لم يكن، وانقشعت عنهم غمامة الحزن والقطيعه عنهم! وكان كلامهم يختزل بأصوات ضحكاتهم التي تعلو بين الحين والآخر كفواصل وحركات تجمل جملهم وكلماتهم وهم يتبادلون الأخبار بينهم بلهفة المحبين وحنين الصديق القديم الذي يطربك دوماً أن تستمع لكل أخباره وقصصه القديمه الجليلة منها والتافة، فأحمد كان يعرف تفاصيل حياة لجين، أين ذهبت ومن أين أتت وماذا تأكل ومن هي صديقتها المقربة وماذا تفضل وتحب وتكره وحتى اسم سائقهم، وقد شق عليه ألا تحدثه طيلة الفترة الفائتة وكان مستعد أن يقدم الكثير في مقابل أن تعود له كما كانت، ولجين كان يصعب عليها فراقه، وعند فقدانه شعرت بغربة مضاعفة، غربة بعدها عن الوطن وغربة اشتياقها لصوت أحمد والذي يحادثها بشكل يومي, فقد كانت تعرف ماذا يدور في رأس أحمد من أفكار قبل أن ينطق بها، وتشعر من وجهه ومن نبرة صوته ما إذا كان فرحاً أو متكدراً.. 
عادوا معاً وبكل انسجام وتناغم كانسياق نهر يشق طريقه في قرية صغيرة منقادين وراء مشاعرهم وما أجمل شعور عودة المياه إلى مجاريها، تيقنت لجين وقتها أن شعور الغربة الذي يجتاحها بين الحين والآخر هو غربة مشاعر وليست غربة وطن... أحمد الوطن الذي تسكنه!

** تكملة القصة يوم الإثنين القادم .. تابعونا 
تويتر 

@Eman_Osaimi

Monday, August 22, 2016

الفصل الثاني - يوم جديد

قبل قراءة الفصل الثاني للقصة ينصح بقراءة الفصل الأول.. الروابط هنا:

الفصل الأول - قرار الرحيل
تكملة الفصل الأول - قرار الرحيل!

الفصل الثاني
يوم جديد 

 (1)
لم تمر إلا أيام قليلة على وصول لجين إلى ميامي وقررت أن الفرصة حانت حتى تنخرط وتعيش في حاضرها أكثر وتكتشف عالمها الجديد، طردت كل وساوسها التي تربطها بالماضي وعلاقتها بأحمد ولم يكن ذلك بالشيء الهين فالماضي يلاحقها كظلها حتى لو تغيرت الأماكن إلى أنها تجد نفسها عالقة بدوامة الزمن التي تشعر بأنها لا تأخذها إلى الأمام ولكن تسحبها للخلف .

قاومت لجين ذلك وقررت طرد كل محفزات ذكرياتها مع أحمد والتي كانت تحيط بها من كل حدب وصوب، قارورة عطر شذاها يحرض شيء بالذاكرة  تخشى أن يثور ليهيج مشاعر الحنين أو لحن أغنية أهداها إياها في عيد ميلادها تنسى نفسها وتغنيها وما تلبث أن تصمت لتحاول أن تنسى الأغنية وتقتلعها من ذاكرتها، وحتى احتفالاتهم التي اخترعوها معاً كذكرى أول يوم التقوا فيه وأول يوم حرصوا أن يقضوا ٢٤ ساعة معاً وأبقته ساهراً على الرغم من تعكر مزاجه.

استيقظت ذات صباح مبكراً من نومها والحماس للحياة الجديدة ولنمطها المختلف جلياً عليها وبلغ منها مبلغه، أزاحت ستار غرفتها لتنسل خيوط شمس الصباح الناعسه إليها وتراقب بهدوء منظر شروقها، شعرت لحظتها بأنه صباحاً مختلف عن كل الصباحات التي شهدتها في حياتها، ممتليئاً بالبدايات الجديدة الواعدة، أخذت تراقب المحيط الذي كان بعيد هناك يحيط بالأفق ويحتوي المدينه بمساحاته الزرقاء الشاسع، أغمضت عينيها واستنشقت نسيم صباحها ثم أخرجت زفير هواءه وكأنها بذلك تحاول طي صفحات الماضي بحلوها ومرها وتستعد للانخراط بالحياة الجديده وتعيش اللحظه بكل تجلياتها.
وضعت سماعات الأيفون في أذنيها واختارت منه أغنيتها المفضله لمايكل بابلييه

Birds flying high
You know how I feel
Sun in the sky
You know how I feel
Breeze driftin' on by
You know how I feel
It's a new dawn
It's a new day
It's a new life
For me
And I'm feeling good
I'm feeling good

إنه يوم جديد وحياة جديدة وعالم جديد ويجتاحني شعور عظيم!
وفي أثناء ذلك استغراقها بلذة اللحظه باغتها اتصال التفتت إليه وكأنها استفاقت من حلمها وعادت لواقعها لترى من المتصل، وإذا به "أحمد يتصل بك" وعندما توقف الهاتف عن الرنين ثم ظهر على الشاشه أن هناك 5 مكالمات لم يرد عليها من جهة أحمد! 
بعد توقف الرنين عادت صوت الموسيقى يستأنف من جديد وصوت مايكل بابليه يصدح ولجين مازالت تفكر مقطبه عن حاجبيها وكأن اتصال أحمد كدر عليها صفو يومها، أرادت أن تنخرط بالحاضر أكثر ولكن أبى الماضي إلا أن يرافقها وذلك باتصال بسيط من أحمد ليلقب عليها صفحات تريد طيها، بعد برهة نظرت إلى الساعه والتي كانت تشير إلى ال7 والنصف صباحاً! وطفقت تخلع السماعات عن أذنيها وهي تتمتم: أوه يبغى لي ساعه الحين عشان أتجهز وأروح المعهد يادوب ألحق!

(2)
في حرم جامعة ميامي وتحديداً في كلية الفنون الاستعراضية وعلى خشبة المسرح كان يقف أستاذ المسرح "مو"، شاب أمريكي في أوائل الثلاثينات من عمره وقد أنهى لتوه دراسة الماستر في المسرح في كلية الفنون الاستعراضية بمدينة نيويورك وعاد لمدينته ومسقط رأسه ميامي ليعمل بها، طويل القامة وممشوق الجسم وجميل القسمات، وملامح وجهه هجين متناسق ما بين الشرق والغرب فقد كان ذو شعر كثيف أجعد بلون بني فاتح ولون بشره أسمر حنطاوي، وعينين بلون رمادي فاتح أحيطت برموش كثيفة، وكان وكان فيها شيء الجاذبية والكثير من التساؤلات والحيرة.

المسرح بالنسبة لـ"مو" كان عالمه الخاص الذي يعيش به لوحده ويشعر بأنه يمثل مركز هذا العالم، إذا وقف هناك  على الخشبه يشعر بأنه ملك المسرح وكأن الدنيا حيزت له عندما ينطلق ليعبر عما يدور بداخله ويتقمص الشخصيات ببراعه كأنه عايشها وعايشته يفهمها وتفهمه ويعي معاناتها وينسجم بعمق. مرة يختار دور الجلاد ومرة أخرى يختار أن يكون الضحية، مرة يشعر أنه يعرف تماماً ما يريد ويسعى له، ومرة يبدو كشريد تاهت به الطرقات لا سبيل له يلتجيء إليه، يمثل دور الزعيم والقائد والمتبوع وأدوار أخرى يكون فيها تابع! يملك موهبة فذة ويتقلب من دور لآخر بكل تلقائية وعفوية دون عناء وتكلف أو حتى أدنى جهد.

قرأ قصيدة تدعى "من أنا؟" وأحب دور المجهول الشارد الحائر المتسائل بلا إجابات والناقم على وجوده، شعر أن كلمات هذه القصيدة تلامسه بشكل أو بآخر، وتقمصته أبيات القصيدة وسكنته قبل أن يحاول أن يتقمصها،  وقف على المسرح وبدأ تناغم عفوي وتلقائي بينه وبين المسرح كمياه تنساق لمجاريها، توجهت الأنظار إليه دون أن يكلف نفسه عناء أن يلفت الانتباه أو يسترعي الاهتمام وبمجرد أن صعد على المسرح بدا كأنه فارس يمتطي صهوة جواده، وكانت الاستعدادات تمشي على قدم وساق وجلس مخرج المسرح على كرسيه ليأمر بتوجيه الإضاءه على مو بإشارة من إصبعه ويبث معه صوت الخلفيه الموسيقيه الهادئة ليقول بأعلى صوت "أكشن!" ليبدأ مو بعدها بالإلقاء والتمثيل أو ليكون نفسه:

تركزت الإضاءة ناحيته وبدا يشعر بالدور يتلبسه وصوت الخلفية الموسيقية تضفي جواً،
وأخيراً نظر بتجهم ناحية جمهوره ليلقي بمقدمته التي تسبق القصيدة:
مونولوج..

كثيراً مايتساءل الإنسان عن كينونته وحقيقة هل نحن نتاج الظروف أم الظروف نتاجنا؟! 
 أنا من أنا ومن أكون؟!
سؤال استعصى علي إجابته ودارت بي الظنون،
وطفقت ألاحق حقيقتي التي غدت كسراب حتى أحاط بي الجنون
كتب علي القدر أن أعيشُه متسائلاً عن معنى الوجود
أكاد أجزم أنني جسد بلا روح واسم بلا لقب وملامح وجه ورثتها من مجهول
**
أنا من لفظني والدي وقابلني بالنكران 
وكل ما شعرت به بعدها هو الخذلان
وتقطعت بي السبل وتُهت في غياهب الزمان
أصبحت ضائع بلا مأوى كطير يعيش بلا أغصان
كل ما أملك هو ضجيج أحاسيس ممتلئة بالأشجان
طليق الأيام أطوف في كل مكان بلا وجهة ولا هدف ولا عنوان
 لزمان غير هذا الزمان أو ربما مجرد ذكرى لزمن عابر تلاشت في دهاليز النسيان 
قد أكون فارساً، ويبقى حلمي وعالمي سالكين طريقين متوازيين عصي عليهما أن يلتقيان
**
وحدي أمشي في الدروب مشرداً كالغريق بلا رفيق وأتجرع الهوان
والكل حولي يتضاحكون ويتهامسون والهم يسكن مقلتي وأداري دموعي أمام العيان
أحاول عبثاً الهروب عن واقعي كطير قصت جناحيه وبدا عاجزاً عن الطيران 
**
أردت أن أجد طريقي وأشعر بالانتماء
ووجدت ذلك بعيد عني كبُعد السماء 
كسراب أتعبني اللهث وراء حتى شعرت بالإغماء
أن أكون أو لا أكون فذلك عندي سواء 
ولكن من أنا؟! 
أنا لست سوى تائه وبقايا إنسان
لفظني والدي وقابلني بالنكران 
وكان قدري أن أعيش في خذلان 
**

يتوقف مو قليلاً وهو منهك وكأنه صب كل مشاعره في هذه القصيدة وبات فارغاً!
يصفق له طلابه بحرارة وقد عاشوا تماماً في أجواء المسرح, ويتقدم أحدهم ليقول: لقد كان عرضاً مبهراً شعرنا بك وأنت ضائع وتتسأل عن حقيقتك، توهتنا معك يا رجل! 

(3)
تستكشف لجين سراديب وقاعات الفصول الدراسية بمعهد اللغه في أول يوم دوام لها، تريد بذلك أن تتعرف على المكان الذي ستلبث فيه لمدة، وبدت تائه للحظات وهي تحاول أن تعرف أين ستقوم بأداء إختبار تحديد المستوى، لربما تأتي بدرجة عالية وتختصر عليها المسافات في دراسة المعهد خاصة وأن لديها خلفية في اللغة الانجليزية لا بأس بها لزياراتها المتكررة إلى أمريكا وبريطانيا
وفي طريقها إلى معمل الحاسب الآلي الذي يتم فيه إجراء إختبارات تحديد المستوى، رأت لجين "مشاري" والذي قد بدا لولهة أن شكله مألوف بالنسبة لها وقد رأت وجهه من قبل لكنها لا تتذكر أين ومتى! التقيت أعينهم وتبادلوا الإبتسامات، كانت ابتسامة مشاري بشغف وكأن علاقة قديمة تربطه بها وكانت ابتسامتها هي مجرد مجاملة.

تجرأ مشاري لمبادلته بابتسامة واستوقفها قائلاً: لو سمحتي .. لو سمحتي!
لجين لم تتوقع أن يوجه لها نداء: أنت بتكلمني؟ .. ايوا أهلاً! 
مشاري: أنتي اللي كنتي معانا بالرحلة اللي من قبل كم 3 أسابيع تقريباً؟
لجين تحاول أن تتذكر: ايوا ايوا افتكرت، كنت جالس بنفس صفي.
مشاري: اها بالضبط، صح عليك!
لجين: أحد ينسى الكدش! لأن شكلك مميز فيه
مشاري يطلق صوت ضحكته: سبحان الله يالصدف، وأنا أقول من أول شكلك مألوف، والله الدنيا صغيره و أمريكا فيها 50 ولايه وتشاء الأقدار إننا نتقابل في ولاية فلوريدا ونختار نكون بنفس المدينه ميامي .. (يسكت شويه كأنه يفكر بسؤال) أممم كيف كانت الرحله؟ والله كانت بالنسبة لي متعبه والخطوط سيئه لكن مضطرين نركبها، ماعندنا غيرها! تصدقين خفت يجيبون لي لحم حمير في الوجبات حقتهم! صمت طول الرحلة ما أكلت شيء أبداً. ما أثق بأكل الطيارات لأنه مخيس!
لجين (بدت تفقد اهتمامه بكلامه): المهم حمدلله وصلنا بالسلامه! 
مشاري: الحمدلله، يعني أنتي من جده؟ جدوايه (يبتسم) 
لجين: ايوا أنا من جده!
مشاري: نورتو يا أهل جده! 
لجين (تحاول تنهي المحادثه خاصة أن لديها الكثير من الأمور لتنهيها): نورك (تنظر إلى ساعتها) أنا والله مستعجله في شغلات كثيره بخلصهم منها اختبار تحديد المستوى، دعواتك ونشوفك إن شاء الله على خير لازم أمشي دحين و فرصه سعيده.

مشاري وكأنه يحاول أن يطيل الحوار: ما شاء الله بتسوين اختبار تحديد مستوى، والله أنا قلت لهم ببدأ من المستوى الأول وريحت رأسي!
لجين وكأنها تحاول أن تنهي الحوار: الله يعين وفرصه سعيدة!
مشاري: وأنا أسع،, بالمناسبه اسمي مشاري وش اسمك؟
لجين: لجين ..
مشاري: عاشت الأسامي .. ولا تنسين حنا أخوان بالغربه إذا احتجتي أي شيء! 
لجين: إن شاء الله .. عن إذنك!
ابتعدت لجين وهي تفكر (ياربي مره نشبه! ايش دا قال حنا أخوان بالغربه قال!
يعني أنا فارقتهم وقاطعت أخوتهم وصداقتهم من السعوديه ولاحقيني هنا!)
مشاري (ينظر إليها وهي تمشي مبتعده عنه ويفكر): والله ياهي مزه، ومو هينه البنيه! لكن  زين أنها معي بنفس المعهد، شكلها كيوت ومن الجداويات الفله يا لبى بس فديتها! 

(4)
في بيت من البيوت التي تقطن في أحد الأحياء العشوائيه في مدينة جدة والتي تبدو على هيئتها البساطه المبالغة والقدم المتناهي والمتهالك تسكن فتاة تدعى عبير مع أهلها، كانت تجلس بغرفتها وتقرأ في كتاب بانسجام تام وكأنها تحلم وهي تتنقل بين سطوره خارجة من عالمها وتعيش في عالم الكتاب. انعكس ذلك الشعور على تقاسيم وجهها الرقيقة وعينينها الحالمتين الجميلة والواسعة والذي يلفها رمش كثيف وتحتوي على شيء من بريق آخاذ وساحر، ولها سحنة هادئه وهيئة ضئيله، ومظهرها الخارجي لا يتوافق مع جموح أحلامها وجرأة طموحاتها وثبات عزيمتها فقد كانت من المتفوقات في قسم اللغة الانجليزيه من جامعة الملك عبدالعزيز وتخرجت بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى وتحلم بالتزود أكثر من ينابيع العلم التي لا تنضب.

تحب أن تقرأ في الفلسفه والشعر والتاريخ وبالأدب العالمي والأمريكي والبريطاني والتي كانت جزء من دراستها ومن شغفها، روادتها أفكار كثيره عن الغرب والعالم الغربي وسافرت بخيالها بعيداً في أدبهم وأبحرت في تاريخهم ودرست فنونهم وأتقنت لغتهم وهي لم تغادر مدينتها، ولطالما تساءلت كيف يفكرون؟ كيف يعيشون حياتهم اليومية الروتينيه الرتيبه ويقضون جل يومهم؟ ماهي أولوياتهم العائله الأهل حياتهم الخاصة عملهم؟ وماهي انطباعاتهم عنا نحن العرب والمسلمين؟ هل صحيح ما تعكسه كتبهم وأفلامهم وموسيقاهم عنهم؟أم أنه مجرد محض خيال المؤلف وإخراج المخرج ليعود بفائض على تكاليف المنتج والتي كان يود أن يضيف الكثير من الأكشنات والحماس! أرادت أن تعيش تجربتها بنفسها وتأخذ عنهم انطباعها بنفسها بعيداً عن كتب وروايات وانطباعات الآخرون.

تناقشت مع والديها كثيراً حول فكرة الابتعاث والسفر إلى الخارج للدراسه، كان والدها موافق إلى حد ما لأنه صاحب ذهن متفتح وعمله كإعلامي مهتم بقضايا المجتمع أتاح له فرصة مزاوله مهنة الصحافه والسفر والتعرف على عوالم أخرى جديده، وبذلك امتلك عقليه استثنائيه عن بقية أفراد عائلته وقبيلته، ولكن الضغوط التي كانت تمارس من قبل زوجته والدة عبير تثنيه عن مؤيدة ابنته ودعمها فكرة سفرها، كانت والدة عبير تملك عقلية بسيطة وتعمل مدرسة دين للمرحلة الابتدائيه في مدرسه حكوميه وكان يضفي ذلك الكثير من التحفظ لشخصيتها والقليل من الجهل المركب.

وضعت كتابها على الرف وقررت الخروج قليلاً من عالمها وتمضية بعض الوقت مع والديها الذين يجلسون بغرفة المعيشه ويشاهدون التلفزيون وبينما كان يقلب قنوات التلفاز استقر على قناة العربية والتي كانت ثبت تقرير عن حفل خريجي الدفعه الرابعه للسعوديين من أمريكا وهم يتحدثون عن انجازاتهم وطموحاتهم التي حققوها والصعوبات التي واجهوها، فيعلق والد عبير:

ما شاء الله، والله نماذج مشرفة والواحد يفتخر فيها والحكومه جزاهم خير ما قصرت عليهم. 
هنا تشجعت عبير ووجدت أنها فرصه مناسبة لتبدأ الحديث مرة أخرى لعل وعسى كثر الدق يفك اللحام وقالت: صح كلامك يا بابا وأنا ودي أكون مثلهم وأنجز وأكمل دراستي برا وأشوف نفسي مبتعثة استقي من العلم وأعيش تجارب تجعلني أنضج وأفضل.
الأم: رجعنا ثاني لسيرة الابتعاث! مو قلنا تتزوجين وبعدين تروحين مع زوجك بعثه!
عبير (وقد استفزها أسلوب والدتها): ما خلصت كلامي يا ماما! 
الأب: اصبري يا أم عبير على بنتك خلينا نسمعها للأخير. 
عبير (انفرجت أساريرها لرغبة والدها بالاستماع إليها): ايوا .. اسمعوني ويا تقنعوني أو أقنعكم!
الأب: تفضلي يا بنتي
عبير: يا بابا الابتعاث فرصه لكل الشعب يطور ويتفتح ويبني مجتمعنا والابتعاث للشباب والبنات .. وبعدين أنا بنتكم وتعرفوني زين ومربيني على الصح والغلط .. الله رقيبي قبل لا تكونون أنتم رقباء علي! 
الأم: والله يا بنتي عارفينك وواثقين فيكي بس المشكله مو فيكي المشكله في اللي حولك نخاف يأثرون عليكي!
عبير (تحاول تمسك أعصابها): أنا عمري 22 سنه يا ماما و مستحيل أخلي أحد يأثر فيني أنا أعرف حدودي زين .. 
الأب: خلينا نفكر بالموضوع يا بنتي!
الأم: والله يا بنتي نبغاكي تتزوجين وتروحين مع زوجك، أحسن لنا واستر لك، ياويلي ما أتخيل تكونين مفلوته هناك لوحدك! 
عبير (عصبت): يا الله ما بطلتي السيره القديمه هذي .. أنا ما أبغا أتزوج تعرفون ايش معناة ما أبغا أتزوج! ويا ليت فيه واحد عدل أتزوجه، ومتأكده لو تزوجت واحد من الأشكال هذي راح أطلق، ايش أهون عندكم أكون مطلقه أو عانس؟!
الأم: أعوذ بالله ليش تتفائلين على نفسك كذا يا بنتي، حنا ما نبغاك لا هذي ولا ذيك, نبغاكي متزوجه ونفرح فيك وفي عيالك! 
عبير (صامته وتحاول كظم غيظها): ..... 
الأب: خلاص يا بنتي نفكر ويصير خير إن شاء الله .. أنتي لا تشيلين هم ..

غادرت عبير غرفة المعيشه متجه إلى غرفتها وفي عينيها دموع أسى وحزن على حالها وتحاول جاهدة  أن تمنعها من الانهمار الذي بدا وشيك، وشعرت بغصه في حلقها بينما كانت أفكارها تدور في رحى عقلها، وتتسائل إلى متى تحتمل ترهات هذا المجتع الذي جعلها أسيرة لعادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان يعاملها على أساس أنها قاصر وتحتاج إلى أن يكون وصي عليها في جميع شؤون حياتها وبذلك هم يصادرون حريتها التي منحها وكفلها لها الخالق، وحتى والديها اللذان يثقان فيها على حد تعبيرهم لا يستطيعان منحها الثقه والحياة التي تريد أن تعيشها بالطريقة التي تراها مناسبة لها, هل من الضروري أن يكون هناك وصي دائم ملازم لها ليراقب جميع أفعالها ويسجل عليها أقوالها ويحفظها من الوقوع في الرذيلة على حد تعبيرهم ويحصنها من الزلل والانحراف، ألم يكفهم رب السماوات أن يكون رقيباً! وكيف لا يطبق هذا التشريع على أخيها الذي قرر بين ليلة وضحاها الذهاب إلى مصر للدراسة وذهب من دون أدنى إعتراضات بل بموافقة وتبريكات الجميع، ألم يخافون عليه من الوقوع في الرذيلة والاستسلام إلى مغريات الحياة؟ ألم يحتاج إلى محصنة؟ أطالت التفكير وهي لا تعلم هل تلوم والديها أم تلوم مجتمعها الذي اتخذ شعار "سد الذرائع مقدم على جلب المصالح" كأسلوب حياة وهم لا يعلمون أنهم بذلك سدوا في وجهها جميع الأبواب وأغلقوا الشبابيك وحتى منافذ التهوية حتى أصبحت تشعر بالاختناق!

 واستلقت على السرير والأفكار لا تبارحها وتمنت لحظتها ألف مره أن يكون جنسها ذكر لتعيش حياة طبيعية خالية من التعقيد في مجتمع يمجد الذكور ويقمع الإناث، ويكون لديها فرصة تتمكن من مطاردة أحلامها وتحقيقها والتي بالواقع هي مجرد حقوق مشروعة لها منذ الولادة، نظرت إلى لوحة أحلامها التي كانت تضعها على مكتبها وأسفرت منها ابتسامة مبتذلة وباتت تخاطب نفسها كيف تجرؤ أن تحلم فحتى الأحلام هنا مصادره والسبب أنها أنثى، أغلقت عينيها تريد أن تهرب من واقعها بالنوم ورأت نفسها تفيق مفزوعه من صوت إرتطام مدوي وترى أحلامها وتتهمش وتذوي وتتبعثر، وآخر ما سقط على ركام الأحلام عبارة "أنا مبتعثه للدراسه!"

(5)
كانت ليلة من تلك الليالي التي تتضور فيها لجين جوعاً وتعباً وهي تدور بين المطاعم ولم يسترع انتباهها ويفتح شهيتها أي مطعم من المطاعم التي مرت عليها وهي في طريق عودتها من الجامعة، اتخذت قرار أن تأكل في البيت ففي كل مرة تأتي بمشتريات كثيرة من السوبر ماركت وبالأخير تختار أن تأكل بأحد المطاعم.

رجعت إلى منزلها ومعدتها تصرخ بأصوات مزمجرة غاضبه تدعوها بأن تطعمها وتفتح الثلاجه على عجل وعينيها تتلاقط بمحتوياتها الموجوده داخلها وبدت غير مقتنعة تماماً بالذي رأته، وباغتتها حسرة أنها لم تأتي بطعامها من الخارج، فلم ترى غير كيسين من الطعام المجمد الذي سوف تسخنه بالمكريوف لمدة دقيقتين، سحبت أحد الأكياس والتي كتب عليه
Kobah Halal
قعلقت قائلة وهي تقرأ الاسم: خليها أول تصير كبه بعدين تصير حلال!
وبينما كانت تضع حبات الكبه لتضعها بالمايكروويف قالت بتحسر: أكل مجمد هدي آخرتها! فين ملوخيه وبامية ماما لا كفاية كده حرام!
ويرن جوال لجين ليقطع عليها المشهد الدرامي الذي تعيش به: "أحمد يتصل بك" 
ترى المتصل وتقوم بتكاسل متررده ترد على جوالها أو تتجاهله، تمسك الجوال بيدها ومازال رنينه متواصله وبإلحاح وتفكر مطولاً وكأنها تتخذ قرار مصيري بإجابتها على الهاتف وعندما قررت أن تجيب ينقطع صوت الرنين ويقفل الخط وتظهر على الشاشة المكالمات التي لم يتم الرد عليها .
قطبت لجين حاجبيها وتمتمت وكأنها تتشفى: أحسن ما رديت عليك وطنشتك!

(6)
في ليلة من الليالي التي لم يكن يهتم بها مشاري كعادته للجلوس في شقته واستذكار دروسه، قرر أن يدعوا زميلاته الأجنبيات  ليلعب البلياردو معهن، كان قد تعرف عليهن في المعهد ودعاهن في النادي الموجود في مقر سكنه الفخم الذي احتوى على جميع الخدمات والتسهيلات وأنواع الترفيه حتى قاعه لعرض الأفلام موجودة بها.

بدا بأبهى حلته وهو ينتظرهن على أحر من الجمر ويحاول أن يضبط شعراته الثائرة فتمردت عليه أكثر وماكاد أن رأهن حتى نسي موضوع شعره وطار فرحاً بهن، وبالمقابل بدت ردة فعلهن عاديه ناحيته بل أنهن عاتبوه لأنه لم يحضر العشاء لهن بعد وهن يتضورن جوعاً ومنهمكات تعباً، فطلب لهن بيتزا خدمة توصيل على عجل، وعاد للجلوس معهن وكان يحاول وبكثير من الجهد المبالغ أن يتودد إليهن ويتقرب منهن بالمعنى الحرفي إلى حد يصل إلى التقزز، وأراد أن يقيم معهن حوار ولكن انجليزيته البسيطه لم تسعفه وبكثير من التملق أخذ يلقي عليهن نكت غير مفهومه بالنسبه لهن لا بمعناها ولا مضمونها، ويستعطف انتباههن إذا أخطأت إحداهن بإدخال الكرات في الحفر راح يقلدها ببلاهه حتى يضحكن الآخريات عليها وكأنه يتسول ضحكاتهن، ولا يكاد يجد فرصه حتى يلامسهن ويحاول أن يحتضن أقرب واحدة منهن تطالها يداه غير معير أدنى إهتمام لا لمشاعرها ناحيته ولا حتى شكلها، المهم أنها أنثى وهو ذكر!
تدفعه إحداهن بعيداً عنها وهو يحاول أن يستلحقها ليأخذها إلى أحضانه وتصرخ فيه قائلاً 
GET THE F*** off!!!! 
WHATS WRONG WITH YOU 
ابتعد عني، ما هي مشكلتك أيه المعتوه!
ويضحك ببلاهه دون أي تأثر بكلماتها.. ومع ذلك يعيد المحاولة ولا يفتر!



** تكملة القصة يوم الإثنين القادم .. تابعونا 
تويتر 
@Eman_Osaimi

Monday, August 15, 2016

تكملة الفصل الأول - قرار الرحيل!

قبل قراءة الفصل الجديد ينصح بقراءة الفصل السابقة للقصة .. الرابط هنا: 

الفصل الأول - قرار الرحيل

(2)
في نفس الوقت ولكن بمكان آخر مختلف يبعد بمئات الكيلومترات عن جدة، في المنطقة الوسطى بالعاصمة الرياض خلف أسوار إحدى الاستراحات كان يجلس مجموعة من الشباب محاطين بشتى الوسائل المصنعه خصيصاً لقتل الوقت، فعند الأركان شواحن أجهزة الجوال التي تسمروا أمامها وهم لا يعطون أدنى درجات اهتمام ولا يلقون بالاً لمن حولهم وكأنهم مغيبين تماماً عن العالم الحقيقي وحاضرين كلياً في العالم الافتراضي، ويتوسط الغرفة تلفاز بشاشة مسطحه ضخمه موصول بجهاز البلاي ستيشن ويتنافس عنده شابين يحاولون يثيرون إعجاب أصدقائهم المحيطون بهم للفوز بدوري كرة قدم، وفي الركن القصي هناك اجتمع مجموعة شباب آخرون يلعبون البلوت بجانبهم إبريق من الشاي ويرتشوفون منه فناجيل صغيره ويتبادلون بينهم أطراف الحديث وتتجلل ضحكاتهم بين حين وآخر بسبب وبدون سبب واضح. 

كان مشاري رئيس الشلة يتوسط الجلسة الشبابية، مراهق وبدا أنه لم يتجاوز الثامنه عشر متوسط القامة ضخم الهيئة مقارنة بمجموعته، شعيرات ذقنه هائشه غير منتظمه وشعره على هيئة كدش كثيف ومتطاير و مشاكس كملامح وجهه، فحاجبيه عريضين يلتقيان عند منتصف جبهته وأنفه كبير يتوسط وجهه وشفتيه غليظتين وبدت نبرة صوته جهوري وعالي وهو يتحدث..  ومن هيئته وحديثه تعرف أنه أرعن مقبل على الحياة بشراهة متهور وغير مكترث!
مشاري: شباب اسمعوا هذه التغريدة شيء فلته صراحة، قوية يا شيخ، يقول فيها: "يجب فحص المبتعثين وذلك للحد من تعاطيهم الحشيش وشربهم الخمور قبل دخولهم لأراضي السعودية!"  
صديق مشاري : لا قويه قويه صراحه ماتوصل لهدرجة يعني بالطياره بتحشش وبتسكر وتروح تسلم على أهلك! والله ما أدري من وين يجيبون هالكلام الفارغ والقذف والعياذ بالله! اللي على طاري المبتعثين والسفر .. ها عبيت الشنط يا مشاري؟
مشاري (يسخر من صديقه): شرأيك يعني رحلتي باقي لها أقل من أسبوعين؟! طبعاً عبيت الشنط من السنه اللي فاتت ومره متحمس للسفره وللحياة هناك! نعيش يا عمي نعيش!
صديق مشاري: أخاف حماسك يروح فشنك من أول أسبوع هناك ومع أول سمستر يفنشونك!
مشاري (ممتعض من مزح صديقه): عيب عليك، كيف يفنشوني وأنا مشاري، وبعدين أنت شكلك حاسدني عشان راح أقابل المزز هناك، وأنت هنا تناحل بالسكيورتي وماعندك أحد!
صديق مشاري الآخر: كبيير يا جوووجووو ، وين الوجهه؟ أي ولايه؟
مشاري: ميامي يا حبيبي، ميامي! قراسيز، كومستس، بييينق (يتكلم أسباني) والمزز الهوسبنك والشواطيء والنايت كليب "الحياة الليلية"، وآه يا قلبي يا كتكت .. يا ما حتشوف وما تسكت!
صديقه الآخر: عجيب وتتكلم أسباني، طيب أنت رايح هناك انتبه تتعلم أسباني وتنسى الانجليزي!
صديق مشاري: يا حظك بنات ودعس و تشبيك هناك، ها؟
مشاري: لا يا شيخ مالي شغل في الكلام ذا، احنا خلينا نركز في الدراسة جايين عشان الدراسه زي ما مفروض ابتعثتنا دولتنا الحبيبه مو زي ما يفكروا بعض مشايخنا، نسأل الله لنا ولهم الهداية!
صديق مشاري الآخر:  خف علينا يا غلبان لو أنت مو راعيها مين اللي راعيها ..ايش راح تقول لـ سارا وسماهر وندى ونورة و .. عد وأغلط؟
مشاري: مين سارا وسماهر! الجوال يتقفل ولا لي أي علاقه فيهم، لا يعرفوني ولا أعرفهم! خلاص إنني تبت إلى الله! (يقول جملته الأخيرة بنبرة ساخره). 
صديق مشاري: كثر منها يا صديقي، تبت ولا طفشت وودك تغير الصنف (ويغمز له) .. 
مشاري يضحك وكأنه يؤيد ما قال صديقه: الاثنين يا عزيزي! 

(3) 
في نفس الزمان ولكن بمكان مختلف في مدينة أخرى تقع شمال العاصمة الرياض، سليمان شاب عشريني ملتحي، بدت عليه الوسامة ظاهرة في شكله وذلك لتناغم قسمات وجهه واتساق جسده الممشوق القوام، يملك ملامح شرقية حادة فكان أدعج العنين وواسعتين وكثيف الهدب والحاجبين ذو أنف مستقيم حاد وشفتين رقيقة، وأحيط بوجهه شعرات ذقنه متناغمه وشارب خفيف حف بعناية وترتيب.. 

بدت عليه علامات الجدية وهو يجلس بدائرة التف فيها المصلين حول إمام للمسجد عقب الانتهاء من الصلاة  كانوا يستمعون لكلامه وكأن على رؤوسهم الطير، خاصة وأن إمام المسجد خطيب مفوه، يعي بما يريد أن يسمعه الجمهور ويقول ما يودون سماعه، وعقب انتهاء كا جملة من جمله المرصعه بالسجع والجناس كانوا يحركون رؤوسهم بالإيجاب وهم مقتنعين بها قناعة تامه لا يخالطها يقين ..
بدأ الإمام محاضرته في حلقة الذكر  .. 
"بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، من يضلل فلا هادي له .. 
نعم أيها الأخوه لقد تعست الأمة التي لا تستطيع التفرقة بين أعدائها وأصدقائها، فتُوالي من يستحق العداء والبراءة، وتعادي من يستحق الولاء والمحبة، فالرضوخ المستمر لأعداء الله، والإذعان لهم، والذلة إليهم، والاستعانة بهم؛ من عوامل الهزيمة والضعف الذي ينشب أظفاره ومخالبه في جسد الأمة، فيوهنه يومًا بعد يوم، ويعزز لروح الانقسام بين أبنائه بمرور الزمن ..
لقد تعرض رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم لمحن وحوادث بسبب الحقد الدفين الذي يحمله هؤلاء القردة والخنازير من عهده صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، فقد حاولوا في حياته قتله عدة مرات، وبعد موته حاولوا نبش قبره فأحبط الله كيدهم ومكر بهم، وهاهم اليوم يسخرون به صلى الله عليه وسلم في الصحف والجرائد والقنوات، ويتطاولون على جنابه –أخزاهم الله- وهذا مبشر بفتح وخير، ومخرج لهذا الأمة من أزمة الذل والعار والاضطهاد إلى العزة والتمكين بإذن الله! نعم جيش محمد بن عبد الله قادم !"
وكبر الجموع بعدما انتهى: الله أكبر الله أكبر الله أكبر !!!  
هنا رفع سليمان يده حتى لاحظه الإمام وأذن له بالكلام قائلاً: تفضل يا مهندس سليمان 
يسأل سليمان: ولكن يا شيخ ما حكم الابتعاث للدراسة وطلب العلم في الخارج؟ خصوصاً أن وظيفتي كمعيد تحتم على السفر لاستكمال دراستي!
يرد الشيخ: إذا خفت على نفسك من الفتن فالأرجح أن لا تذهب هناك حتى لا يفتنوك في دينك ودنياك، ولكن إذا كنت تستطيع كباح نفسك ورغبتك بالعلم قوية، فطلب العلم فريضة على كل مسلم، وأنت وضعك يختلف بكونك معيد في جامعتنا ومن الجيد استقاء بعض العلوم المادية منهم خاصة وأنهم متقدمين في ذلك عنا! بعد أن سرقوا كتبنا وأحرقوا بعضها وأغرقوا بعضها الآخر خلال الغزوات الصليبيه البربريه أنذاك التي شنوها على الدولة الإسلامية، ومن الجيد التعلم في بلادهم لنتعلم لغتهم "ومن تعلم لغة قوم آمن مكرهم!" وأدعو الله أن يعلمك ما ينفعك وينفعك بما علمك! 
هز سليمان رأسه مؤيداً مقتنعاً بكلام الإمام وتمتم: جزاك الله خير يا شيخ! 

(4)
بعد النقاش الحامي الذي دار بين لجين وأحمد وتعاكست فيه وجهات أحلامهما, والذي مازال صداه يتردد برأس لجين وهي تفكر وتحلل كل كلمة وإيماءة ونبرة صوت صدرت من أحمد وعيناها ممتليئة بالدموع التي ظلت تقاومها كثيراً وهي تحبسها في مقلتيها حتى شعرت بالإنهاك، فكبرياؤها يمنعها أن تذرف دموع على مناسبة كهذه، خاصة أنها ليست المرة الأولى التي يختلفون فيها ولكنها شعرت بأنها الأكثر جدية!
لم تبرح أن تتخيل صورة أحمد التي بدت كلوح زجاجي يتكسر وتتحول شظاياه إلى قطع متناثرة وما زادها حرقة إلا انتظارها بمراقبة هاتفهاوالذي طال لساعات لأحمد لعل وعسى يتعطف عليها بمكالمة تلفونية أو حتى رسالة نصية يعتذر لها فيها عما بدر منه من تهميش لطموحها. 

كان أحمد الشاب الذي اختارته من بين الكثير وهو المثقف والموهوب والمتميز في عمله والمستقيم في أخلاقه، ولكن عقليته كانت موسومة بالإنغلاق والتقليدية، ولطالما كانت لجين خارجة عن كل ماهو مألوف وثابت باحثة عن المتغير ورافضة لكل التقاليد البالية التي لا تخدمها، ولطالما تساءلت لماذا أحبته ولماذا قلبها أختاره على الرغم من أن عقلها كان يحرضها بأنه ليس الشخص المناسب. 

لم تصحو من عالمها إلا على صوت والدتها تدعوها لتناول طعام العشاء الذي بات جاهزاً وموضوع على طاولة الطعام ينتظر قدومها، تنبهت لنداء والدتها الذي تكرر أكثر من مرة، فمسحت الدموع من عينيها سريعاً وذهبت إلى حمام التابع لغرفتها حتى لا يراها أحد بالجرم المشهود وهي تبكي لتغسل وجهها وتجففه وكأنها بذلك تريد أن تمحو أي معلم من معالم الحزن الذي اكتسح محياها, ونزلت سريعاً من على السلم الذي يتوسط البيت وهي ترد على نداء والدتها: ايوا ايوا يا ماما خلاص جايه! 
تجد والديها و أخيها الصغير على طاولة الاكل ينتظرونها ليبدأو بعدها بتناول طعام العشاء ..
والدة لجين وكانت قد لاحظت شيء من الحزن في عيني طفلتها: ايشبك يا لجين ما تأكلي وقدامك الكشري اللي تحبيه سويناه مخصوص عشانك؟ 
لجين بنبرة حزن لا تستطيع إخفاؤها وكأنها تود أن تجد أي مبرر لحزنها: يا الله مو قادره أتخيل أنه ممكن أكون مسافره الأسبوع الجاي لأمريكا, وراح أفتقد الجمعة الحلوه إذا سافرت ..
أم لجين تحاول برباطة جأش: فاولي خير يا بنتي، راح ترجعي إن شاء الله وأنتي رافعه رؤسنا وجايبه معاكي الشهاده الكبيره, وبعدين مو أول واحده تسافري شوفي الناس يسافروا، وطبعاً رجعوا لأهاليهم بالشهادات الكبيرة (توجه نظرها إلى زوجها بفخر) نبغاكي زي أبوكي كان من أول الناس اللي درسوا برا وحمدلله ربي أكرمنا من واسع فضله وشوفيه ماسك منصب! 
أبو لجين وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة زهو لإطراء زوجته، ثم توجه حديثه إلى لجين ابنته بنبرة الناصح: صدقيني يا بنتي الحياة مغامرة جرئية أو لاشيء، لازم الواحد يسافر ويجرب أشياء جديده ويكتشف عوالم ثانيه والتجارب تضيف لرصيدك خبرات والخبرات يعني نضج الإنسان بس يحاول يتعلم منها. وبعدين لا تقلقي من البعد يا بنتي مع السكايب وتويتر وفيس بوك نقدر نتواصل العالم صار قريه صغيره، وبعدين حبيبتي أنتي مو أول مره تسافري أمريكا! وكمان راح تعيشي بميامي بنفس المدينه اللي زرناها الصيف قبل سنتين ونفس المدينة اللي درست فيها وأنا شباب، يعني بتكوني متألفه مع المنطقه ومو غريبه عليك!
لجين: بس هذا أول مره أسافر من غيركم وأكون لوحدي!
أخو لجين إيهاب ساخراً: يا الله لوحدي يا ملكة الدراما، كلها كم شهر ونجي نزورك في الصيف .. ونطفش منك (يقلد صوت أخته ساخراً) يا الله أنا مره حزينه أنا بسافر لوحدي !
لجين (مغتاضه من أخيها): أيوه كل هذا عشانك تبغى الفكه مني وتأخذ غرفتي لأنها أكبر وأوسع وطبعاً أنظف من الزريبه اللي اسمها غرفتك ما قد شفتها مرتبه، أنا بس ما أدري كيف مستحمل الريحه، مدري بيض مسلوق مع فول سوداني!
أم لجين: يالله ما تبطلوا مناقره أنتو الاثنين، حتى آخر أسبوع وقبل لا تسافري يا لجين، طيب خليكي الكبيره والعاقله!
أخو لجين (باستنكار): زريبه! أنا غرفتي زريبة طيب أعدي لك هي هالمره محترمك عشان بعد كم يوم حتكوني موجوده بالمطار، وبعدين لا تقلبي المطار دراما! 
لجين: ما تضحك! 
الأب: خلاص كملوا أكلكم في هدوء!
وأكملوا تناول طعاهم غير أن أحاديثهم بتبادل النظرات بأعينهم استمرت, يبدو أن ظاهرها مشاكسات مغلفة محبة وود وتوالف مقصود، كهذا دائماً العائلات يأخذون بعضهم من المسلمات ووينقصهم تقديرهم لبعضهم إلا إذا تفارقوا أو أصاب أحدهم مكروه!

(5)
بعدما فرغ الإمام من خطبته والتي كانت بعد صلاة العشاء، جلس سليمان يقرأ بعضاً من آيات الله ويصلي صلاة الوتر وعقب انتهاؤه منها التفت ليجد صديقه عبدالمحسن يقف هناك ينتظره وكأن هناك حاجة في نفسه يود سؤال سليمان عنها ... 
محسن: السلام عليكم ورحمة الله
سليمان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. حيا الله محسن  
محسن: صحيح الكلام اللي سمعته؟!
سليمان: وش سمعت بوه؟
محسن: بتسافر بعثه لأمريكا، بؤرة الكفر وبلاد القرده الخنازير!
سليمان لم يتوقع أن محسن يناقشه في موضوع سفره خاصة أن الشيخ أجاز له ذلك فرد عليه قائلاً وكأنه يدحض حجته ولا مبرر لإنكار السفر عليه: طلب العلم فريضه يا محسن، وأنا رايح هناك أستفيد من علومهم المادية. 
محسن: تقدر تطلب العلم هنا، مو ضروري تروح هناك! وبعدين مافي أفضل من استقاء علوم الشريعه وأصول الدين هنا في بلد المسلمين، أساساً هذا هو العلم الصح وهو محور حياتنا ومصدر لكل تشريعاتنا أما العلوم المادية لا تفع يوم تبلى السرائر . 
سليمان: صحيح كلامك، بس أنا بروح أحضر ماجستير بالهندسه، والهندسه علم يبرعون فيه أكثر منا ونحتاج نستفيد منهم ومن خبراتهم .. بالاضافه أقدر أتعلم لغتهم .. ومن تعلم لغة قوم آمن مكرهم مثل ما قال شيخنا! 
محسن: أخاف عليك من فتنهم وأن لا تأمن نفسك هناك ..تعرف حديث رسولنا عليه الصلاة والسلام: "لا تنم بين ظهراني كفار"
سليمان: عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم، بس أفا عليك يا أبو معاذ لا تخف علي، بل عليك أن تخاف عليهم مني لأني بإذن الله سأجتهد في دعوتهم للإسلام.. وسأحتسب الأجر عند الله!
عبدالمحسن وبدا وكأنه غير مقتنع بكلام سليمان:  الله يقويك!

** تكملة القصة يوم الإثنين القادم
تويتر
@Eman_Osaimi

Monday, August 8, 2016

الفصل الأول - قرار الرحيل

ومضه،”
الإعتراف بالمشكله هو نصف الحل، كيف يكتب طبيباً العلاج لمريض دون أن يتفحص حالته ويتعرف على الأعراض!

مقدمة 
البشر في هذه الحياة نوعين: أما متفرجين يلتفون حول المسرح ويجلسون على مقاعدهم ويشاهدون الأحداث التي تدور حولهم دون تدخل منهم، وإما مشاركين يمتطون مسرح الحياة ويتقمصون شخصيات قد تفرضها عليهم الظروف لأنها شخصيات تشبههم أو هم يختارونها لإعتقادهم أنها أدوارهم ويستحقونها.. 
وما أن تطفيء الإنارة وتتسلط بقعة الضوء على خشبة المسرح ويعتليه الممثلين وتنبعث أصوات الموسيقى التراجيدية وتحيط المكان هالة من الصمت المترقب للجمهور، وهم يشاهدون الأبطال يتقمصون الشخصيات حتى يراءى لهم أن تتلبسهم الأدوار .. 

والجماهير الغفيرة الملتفة حول خشبة المسرح تغشاهم حالة يصعب وصفها يبدون لولهة وكأنهم معلقيين بحبال وهمية لا يمكن رؤيتها وهم يتأرجحون بين اليقظة والخيال ويحلمون بشيء جميل ولا يودون الإستيقاظ من أحلامهم لروعة المشاعر التي تجتاحهم وتشعر أن هالة قد أحاطت بهم وأغشتهم السكينة وعاشوا أجواء المسرح أو هي عايشتهم, فبكل شغف يتابعون ويتعاطفون مع الأحداث والشخصيات ما أجمل إندماجهم الذي يبدو كإندماج طفل اشترى لتوه لعبته الجديده مأخوذ بها عن كل ما يحيط به ويعيش بعالمه الخاص فقط.. 

وها أنا على وشك أن أزيح الستار وأبدأ بسرد قصتي التي شاركتها مع شخصيات عايشتها وعايشوني وتأثروا بي وتأثرت بها، ومع دراما خيالية وإنفعال مبالغ وفلفل أحمر وتوابل هندية سأحكي قصتي بكل شفافية، وقبل أن أزيح الستار وأبدأ بسرد فصولي الأولى وأتشاركها معكم أتمنى أن تقرأوها بقلوبكم قبل أعينكم وتتذكروا أن كل شيء يحدث بسبب، ويجب أن نتبنأ المنطق في تفكيرنا وفي طريقة معالجتنا للأمور! 

قراءة ممتعة أعزائي!

الفصل الأول
قرار الرحيل 
(1)

الوقت مساءاً والمكان مدينة جدة التي ساد عليها ضجيج الناس في الأسواق وازدحام السيارات عند إشارات المرور، وتكتل الباعة المتجولين في الشوارع العامة، وهم يحملون في أيديهم ألعاب الأطفال وبالونات بألوان وأشكال مختلفة و عقود من الفل ويطوفون بين السيارات متلهفون لأول إشارة تصدر من أحد المارة ليتهافتوا ناحيته ويتوسلونه ليشتري ويتسولون. من بين كل هذا الضجيج هناك في ركن قصي ومكان هادي وتحت جناح ظلام الليل الساتر من أعين المتربصين، كانت ترتكن سيارة بجانب أحد المطاعم الفارهة ويبدو أن من بداخلها مأخوذين عن العالم الذي يعيشون فيه ويقيمون في عالمهم الخاص، ومنخرطين تماماً في نقاش جدي يدور بينهما. 

أحمد شاب جداوي أبيض البشرة ذو ملامح تتسم بالهدوء واللين وجبين عريض وجفنين مشربة بحمرة يجلس مقطب الحاجبين وقد اكتسحت الحيرة والارتباك ملامح وجهه وبين الحين والآخر يرفع عن عينيه نظارته الطبية ذات الإيطار الرقيق ليمسح مرتبكاً بمنديله قطرات العرق التي تتصفد من تحتها وهو يستمع إلى لجين تخاطبه بنبرة حادة، وكانت تجلس بالمقعد الأمامي بجانبه، تملك ملامح ناعمة وشعر ثائر وعينين لوزيتين واسعة والتي احتوت على جاذبيه للونها العسلي الفاتح ومحاطة بأهداب كثيفة، وبدا فيهما شيء من خيبات الأمل نتيجة كلام أحمد.. 

فقد أرادت السفر خارجاً للدراسه في الولايات المتحدة، ولكن أحمد كان يريد البقاء أكثر فمسؤلياته بالسعوديه تلزمه بذلك على حد تعبيره، وكان بالواقع متفاجئاً بالقرار أو بالأحرى بسرعة تنفيذ القرار والسفر للخارج وهو الذي بالبداية سايرها حتى لا يخسرها ثم تفنن في صنع العراقيل لها وأراد مماطلتها فيه لعل وعسى أن تتراجع! ولكن لجين كانت تملك إرادة قوية. 

لجين: أحمد احنا تكلمنا في دا الموضوع كثير, بس يمكن أنت ما بتسمع ولا تعطيه أي اهتمام ..  أساساً كنت مستهتر بفكرة إني أسافر للدراسه!
أحمد (كأنه بدأ يتذكر ويتدارك موقفه): بس برضو يا لجين ما قلتي لي إنك راح تسافري بالسرعه دي، برضو لازم قبل لا تقدمي بأي خطوة تأخذي موافقتي وتكلميني! 
لجين (بنبرة غضب): نعم! أنا كلمتك بكل شيء من البداية, من الولاية اللي اخترتها ومواعيدي في السفارة والمؤتمرات اللي حضرتها وحتى التخصص اللي أبغى أدرسه! وبعدين ليش أحتاج موافقتك! مين حضرتك؟ أبويه مثلاً؟ وعلى فكرة بابا أكثر واحد داعم لفكرة سفري ودراستي بالخارج!
أحمد: أنا بصير لك أقرب لك من أبوكي، أنا حبيبك، وبالمستقبل القريب بصير زوجك ومسئول عنك!
لجين: كل واحد مسئول عن نفسه، وبعدين هذا إذا صرت زوجي!
أحمد (لم يتوقع أن تصدر هذه الجملة الأخيرة من لجين): كيف يعني إذا صرت زوجك! ليش مو حنا اخترنا نكون مع بعض؟!
لجين: ممكن اخترنا نكون مع بعض، لكن للأسف خططنا اختارت تكون عكس بعض، ومشكلتنا إن كل واحد توقعاته مختلفة عن الثاني، المشكلة أنا توقعت إنك تدعمني وتسافر معايا وأنت توقعت إني أجلس في السعودية!
أحمد: وش فيها لو جلستي في السعودية وتزوجنا وكملنا حياتنا سوا، لازم الغربة والشحططة!
لجين: طيب وطموحي وحلمي إني أتعلم برا؟ يعني ما تحترم طموحي وحلمي؟! وبعدين ايش تبغانا نقعد نسوي بالسعودية! نقشر بصل مثلاً! 
أحمد: الله على الطموح يعني آخرتك ايش بتصيري؟! غير مدرسة وإذا مرة مرة شطحتي دكتوره في الجامعة يعني برضو تدريس بس في الجامعة!
لجين (متفاجئه من محدودية أفكار أحمد) : من جدك أنت، بس خساره وقتي اللي ضيعته معك وكنت أحسب تفكيرك غير عن الباقين وراح تدعم طموحي، لكن تدري ايش؟ عقولكم كلها وحده عباره عن عقول مقفله!
تقول جملتها الأخيرة بعصبية والجو يسوده التوتر بين الطرفين  ..
أحمد: أنا آسف حبيبتي والله ما قصدت .. 
يحاول أن يمسك بيدها ليستبقيها ويسترضيها ولكنها تسحب يدها بقوة منه وتصرخ فيه: "لا تلمسني!"  
وتنزل من السيارة وتغلق بابها بقوة ويظهر صوت يُسمع له صدى..
أحمد: طيب لجين اصبري أوصلك ..


ابتعدت لجين عنه مسرعة تاركة إياه يتأملها دون أن تنظر للخلف, محاولاً هو بدوره أن يقنع نفسه بصحة موقفها وبدا مرغماً على تقبل قرارها للرحيل للدراسه بالخارج!

** لتكملة القصة تابعونا كل يوم إثنين

تويتر @Eman_Osaimi